تضفير الفكر والدراما بجدائل فنتازية
بين أيدى القراء كتاب د. عمرو منير، حول العمل الدرامي
الأجنبي ذائع الصيت "لعبة العروش"، والكتاب يعد من الأطروحات الفكرية
الجادة والمهمة في النقد الفني الدرامي المعاصر، وفي نفس الوقت يعد مناسبًا أيضا
لضمه لفئة كتب الثقافة العامة حيث يتصل بتلك الدراما الفنية الغربية، التي تصب
صبًا علي رأس الساعة ليلا ونهارا للمتلقي العربي، وبشكل ميسور سواء على شاشات
الفضائيات المختلفة أو منصات شبكات التواصل الاجتماعي جميعا. ولا شك أن الإقبال
علي مشاهدة تلك الأعمال الدرامية والسينمائية المجلوبة من الشرق والغرب، أصبح جزءا
من الحياة اليومية، وأصبح مشاهديه في الوطن العربي بالملايين، وبالتأكيد أصبح
مؤثرا لدرجة لافتة، والكتاب ينقب فيما بين سطور تلك الدراما الأجنبية (نموذجًا مسلسل
"لعبة العروش")، ويبحر في الغوص بعيدًا عن سطح الإبهار والمؤثرات الفنية
والنظرة المتعمقة لما يكمن في طيات العمل الدرامي من رؤى وأفكار، ودراسة ما ُيراد
من التأثير الثقافي علي المشاهد العربي.
ونشكر للكاتب قصديتة الواضحة والنبيلة والتي أشرقت في
عبارة مهمة: "... وبناء منظومتنا الفكرية المستقلة والتي تتسق مع هويتنا
ومنطلقاتنا الأخلاقية والدينية"، بالتالى يخلص قارئ الكتاب للإطار الثقافي
الغربي الحاكم للعمل الدرامي، والذي في سبيل وجهه القاسي كان الفن الدرامي المشوق
أصلا، فيشكل الكتاب وعي المتلقي العربي الثقافي عبر صيحة تحذير، هذا الوعي الذي هو
ضرورة في سبيل بناء الذات الحضارية للأمة العربية.
والكتاب غني من الناحية الفكرية الموضوعية، وكذا أسلوبية
الكتاب في إيضاح الأفكار، والتي نشير إلى جوانب منها:
·
هناك التوفيق في إنتقاء النصوص الموازية للكتاب،
أى حسن اختيار هذه العبارات المفتاحية في صدر الكتاب (مقولة المسيري)، وكذا
استهلال الكتاب (المقدمة التي طرقت مباشرة باب قصدية الكتاب وخلاصة البحث). هذه
النصوص الموازية تعد سمة أسلوبية مستقرة في كتابات د. عمرو منير بعامة.
كما أنه فى خاتمة الاستهلال المهم ورد سؤال يمثل فرضية (سؤال)
البحث الأساسي، وهذه الفرضية البحثية واضحة ومحددة ومشمولة بتركيز البحث حولها،
يقول: "سنحاول تحليل هذا العمل الفني ليس من منطلق فني فحسب، بل كمثال يؤكد
نظرية المفكر الراحل (المسيري) في وصول العلمانية الشاملة إلى كل شيء في الحضارة
الغربية دون استثناء وصولا إلى الفن والأدب الذي هو وعاء الفكر"
·
اتسم الكتاب بالتنوع بين العرض الفكري،
والعرض المعرفي، وحقق هذا الشأن عبر أكثر من مسار، ضم تقديم معلومات وافرة عن
العمل الدرامي وحبكته الفنية الرئيسه، ومصادره الأدبية، وتكلفته وأبطاله الرئيسيين
ومنتجه .. إلى آخر هذه المعلومات التي تم تقديمها بشكل منوع وجيد حتى بالاستعانة
بالتخطيط التوضيحي، إضافة إلى الجداول والخريطة التخيلية للمكان الدرامي في
المسلسل. ولا شك أن هذه المعلومات أساسية ومهمة في التمهيد للقارئ ومنحه فكرة عن
ضخامة العمل. كما لم يقتصر العرض المعلوماتي علي عرض الحبكة لكن أيضا عرض الجذور
التاريخية الغربية للحدث الروائي، مما يمنح دال إرادة الشمول في العرض المعرفي لدي
الكاتب.
·
ولم يقتصر العرض المعلوماتي حول معلومات
المسلسل الدرامي، بل جرى تقديم الإطار الفكري ومفاهيمه الرئيسة محل التطبيق علي
العمل الدرامي، ونعني بها تقديم عرض مبسط وجيد حول نظرية العلمانية الجزئية
والشاملة في فكر العلامة الموسوعي د. عبدالوهاب المسيري، هذه النظرية التي تم
تحريريها في طيات العمل الدرامي بثاقب الفكر والبحث الجاد.
·
إضافة للعرض المعرفي السابق، شكلت الهوامش
جزء رئيس من بنية الكتاب المعرفية، حيث لم يترك الباحث مصطلحًا أو مفهومًا أو
ترجمة إلا وعرضها في الهوامش، بحيث لا تشكل تلك المفاهيم حجر عثرة في سبيل تلقي
أفكار الكتاب، وتمنح دلالة أيضا عن الكدح الثقافي المبذول من المؤلف في سبيل تضفير
عناصر الكتاب، وجاءت أيضا قائمة المراجع وتنوعها لتقدم دليلا أخر في هذا الإطار.
·
يلاحظ أيضا استعمال تقنية "التكرار"
في الإيضاح والتضفير بين عناصر الدراما وعناصر النظرية الفكرية محل التطبيق، وهو
أمر محمود في كتاب فكري جاد، حيث هناك توجه لترسيخ قناعات الكتاب في أفئدة القراء،
بحيث تحصل الثمرة المرجوة منه. فالتأكيد المستمر للمغزى الضال المبثوث بين أضواء
العمل الدرامي مهم لتحذير القارئ العربي وفضح توجهات هذا النموذج المريب.
·
وإذا كان حسن إنتقاء المدخل للكتاب، فهناك
أيضًا حسن إنتقاء الفكر، والذي قدم المؤلف فيه لأحد قامات الفكر العربي المعاصر،
العلامة المسيري، وإنتقاء العبارات الشاملة من منتوج هذا الفكر النير، نموذجًا:
"وبحسب تعبير المسيري فالإنسان في عالم ما بعد الحداثة إما إنسان اقتصادي
يتمركز حول قيم الثروة والربح والمصلحة الاقتصادية، أو إنسان جنسي متمركز حول قيم
اللذة وخاضع للدوافع الجنسية الحتمية، وفي جميع الأحوال هو إنسان طبيعي ومادي لا
علاقة له بالخير والشر أو بأي قيم خارج نطاق الحواس الخمسة، فهو حيوان اقتصادي
جسماني لا يبحث إلا عن منفعته الاقتصادية ولذته الجسدية، وسلوكه لابد أن يصبح ذو
نمط محددث ابت حتى يمكن أن يستهلك اليلع التي تنتجها خطوط التجميع للصناعة الحديثة
ويزيد من قدر اللذة المتاحة).
والمؤلف جمع بين الإصالة والاستمداد من معين فكري معتبر،
فإضافة للناحية الإبتكارية في تأسيس العمود الفقري للكتاب، وتقديم أفكار حول تضفير
الفكر بالدراما نجد أيضا تفعيل لمقولة (اختيار المرء وافر عقله)، نموذجًا عرض
مقولة المسيري أعلاه التي تمثل نافذة مضيئة وملخصة للكتاب.
·
أيضًا نجد تنوع العرض الموضوعي في فكر المؤلف
بين تفاصيل الفكر والتطبيق له علي المسلسل الدرامي، بحيث شملت عناصر كثر ذات
ارتباط وتعد وجوها لبيان القصدية وخطورة تأثير الدراما المجلوبة، نموذجًا تحرير مفهوم
البطولة الغربي، وصلته بغياب النزعة الأخلاقية في الحدث الدرامي. وكذلك الإلماح
عبر العنوان الفرعي إلي "الإبهار علي حساب القيمة وفخ التفاصيل"، وعرض
لست عوامل أسست هذا الإبهار، ثم التحليل الجيد حول قصدية "غابة
التفاصيل" بتعبير الكتاب، وأيضا "قدرة العمل علي جعل المشاهد في حالة
صدمة فنية كان العنف والجنس أهم عواملها ومحركاتها" طبقًا لعبارة الكتاب.
وهذا العرض الدقيق بين التحقيق حول عوامل الإبهار والتحليل للفكرة يعد جامعًا
وموفقًا لإيضاح أسباب ووسائل جعل هذا العمل حذابا للمشاهد، وفي نفس الوقت خطورته
في سمومه المعسولة.
·
كما وردت مفارقات جيدة وصحيحة منطقيًا، في
إطار إيضاح التضليل المتعمد، وسحق القيم الإنسانية في إطار العلمانية الشاملة
المتنكرة في جسد العمل الدرامي، هذه المفارقات جرى التقاطها بمسبار الباحث المدقق،
مثال بند النزعة النسوية ودخولها مجال الصراعات السياسية بقوة، حيث جري منح المرأة
دورا في العمل الفني يتعاظم ولا يتفق سواء مع طبيعة المرأة ذاتها، أو مع السياق
البدائي البشري الذي يشكل إطار الحدث الدرامي، والقياس الوارد بقول الباحث:
"توجهات العمل الذي يطرح أفكار ما بعد الحداثة حيث تتقدم المرأة علي الرجل في
كل المجالات، حتي لو كان هذا التقدم غير متفق مع الطبيعة الأنثوية والتي تؤهلها
لبعض المهام بينما تؤهل الرجال لمهام أخرى مغايرة تماما" وهذا القياس يعد
قياسا صحيحا يمكن الركون إليه، ليس فقط في تحليل المسلسل بل في تحليل هذه النوعية
من التوجهات في الميديا والدرما الغربية.
وهذه المفارقة المرصودة جاءت في إطار نواح أخرى تشير
لتقدير الكتاب للمرأة والوقوف ضد نزعة العصف بها في إطار الفكر الغربي المرتب في
طيات الدراما، ليقدم مفارقة أخرى حول "تبرير العنف ضد المرأة بالرغم من
النزعة النسوية السائدة" بتعبير الكتاب.
·
(التركيز) أيضا أحد معالم
الكتاب النابه، حيث لم يكن مجموعا من مقالات مبعثرة بل عبر فكرة رئيسة تشمل جانبها
النظري وجانبها التطبيقي من إنتقاء المؤلف (المسلسل)، لذلك طرق بابها عبر الفقرات
والفصول، لا يحيد عنها ولا يشرد عن أفقها، وهذا سر من أسرار جودة الكتابة، نموذجًا
فصل الكتاب المعنون "علمنة الفن والأدب كأحد آليات العلمنة البنيوية الكامنة
(النظرية والتطبيق ... المسلسل كنموذج)" حيث التدريج في عرض نظرية العلمنة
البنيوية الكامنة، ثم التحذير من نشرها كأسلوب حياة وفكرا مهيمنا من خلال
"منتجات حضارية يومية" بتعبير الكتاب، وعرض كيف تؤثر هذه المنتجات في
تشكيل الإنتماء الغير واعي للعلمانية الشاملة، ثم قدم نصا حول مسلسل "لعبة
العروش" كناحية تطبيقية يقول "بتصرف": "المسلسل ما هو إلا
منتج حضاري فني عن عمل أدبي يبدو من خلال سياقه أن تناول الصراع بين ممالك خيالية
تدور أحداثها المفترضة في عصور مشابهة للعصور الوسطي الأوروبية (..) هذه هي القشرة
الخارجية للعمل ولكن بعد التعمق في العمل نجد أنه يستبطن مجموعة كاملة من الأفكار
البنيوية والرؤي العلمانية المتخفية" ثم يعرض لائحة من تلك السلوكيات والقيم
السيئة، وهي من الشاهد النصي: (تغييب الدين وإضفاء هالة سلبية عليه / الإنتصار
للمادية الميكافيلية اللاأخلاقية / تعظيم الجنس والمثلية الجنسية / تأصيل العنف
وتمجيده كسلوك بشري). والسياق السابق نموذجا للتركيز حول محور الكتاب دون إفراط أو
تفريط.
وبالطبع
يصعب عرض جميع ثيمات الكتاب الفكرية والموضوعية في حيز هذه المقاربة، ولا غني
للقارئ عن الإبحار في عوالم الكتاب الذي قدم موضوعا شائكا ومطولا بطريقة جيدة
وملخصة وميسورة للفهم، مغذية بالمعرفة عبر آليات البحث الجاد والفكر الإبتكاري
والروح المقاومة للعصف الثقافي للذات العربية المعاصرة، في عالم يموج بتسونامي
الأفكار والتكنولوجيا والميديا والقهر جميعا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق