الخميس، 8 سبتمبر 2022

ثلاثية "أكوان" ومقاربة في رواية الفتيان


خالد جودة أحمد



 تنتمي الثلاثية الروائية "أكوان" للأخوين وائل ومحمود عبدالرحيم في تقديري لأدب مغامرة الفتيان، من خلال حكاية فنتازية مهجنة بإشارات من أدب الخيال العلمي، والشواهد كثر:

رواية الفتيان أو مرحلة الطفولة المتأخرة مقدرة ومهمة وهى التى كتبها د. نبيل فاروق للشباب ود. أحمد خالد توفيق مع تباين في الأداء بينها، فالبطل مطلق عند د. نبيل له قدرات خارقة غير معقولة، بينما أداء د. أحمد خالد توفيق أقريب لبطولة اللابطل أو بطولة العادي مثال شخصياته الرئيسة في سلاسله المحبوبة مثل "رفعت إسماعيل" في سلسلة "ما وراء الطبيعة"، و"عبير" في سلسلة "فانتازيا". والثلاثية الروائية تنتمي إلى هذا الجيل من الكتابات، ونلاحظ مجال التأثير نموذجًا: في الجزء الثالث من الثلاثية نجد "حسام" يقتل أسدين ويحطم باب قبو بركلة واحدة مفترض في هذا القبو أنه محصن تحصينًا شديدًا لأنه يأوى أسود كاسرة.

بالتالي الثلاثية هى أقرب للخصائص النفسية للمرحلة العمرية عاشقة الإثارة والمغامرة التى تمجد البطولة أقصى تمجيد، وتنتمى للشجرة الأدبية ذات الفروع والثمار أدب من فعلها أو الأدب البوليسي، ومن أغصانه أدب المخابرات والفانتازيا والخيال العلمي، وهى وسائل أداء هذا اللون من الكتابات.

كما أن عالم الأسماء فى الثلاية يحقق الإيقاع فيها دائما من خلال الجناس الناقص، شادو / بادو، ديلا / تايا، كورا / لاكور، وهذا ينتمي لمزاج أدب اليافعين والذى فعله وأسس بوادره الأولى رواد أدب الناشئة مثل أحمد نجيب وكامل الكيلاني.   

ولاحظنا حضور وسائل التزيين الاستهلالي اللوني لدرجة تطابق استهلالي الجزءين الثاني والثالث من الثلاثية في وصف فلكي عجائبي شمسان متجاورتان وصحراء ذات رمال زرقاء واستمرار وشيوع الألوان في المتن الحكائي

من الجوانب الفنتازية لمحة تنتمي لعالم ألف ليلة وليلة السحري مجسدة في "قبيلة عرائس البحر" ذات الذيول السمكية، وفقاعات الماء اللاتي يسبحن بها، وتقنية الجانوم عبر جهاز تحكم في الفقاعات تطلق أشعة حمراء وخضراء. وأيضا عالم زولا "الدود" القابع تحت الأرض وهنا تناص مع رواية آلة الزمن لويلز. وسكان العوالم خضر البشرة ويذكرني هذا بالفضائي "خميس" الكلوروفلي أخضر البشرة في رواية "ابن النجوم" لعملاق الخيال العلمي نهاد شريف، وظلام المنطقة زيرو والذى ليس ظلاما مطلقا حيث يرى المارين بالمنطقة بعضهم البعض. وعكس طبيعة الرجل والمرأة في عالم من العوالم ولو أنها وردت في كتب المتفرقات في وصف قبيلة أفريقية، يقوم بالعمل فيها النساء ويركن الرجال للخمول، لكنها طرفة نادرة، أما فى الرواية فهى صفة مستقرة لجنس كامل من الأجناس.

وبالثلاثية تأسيس جغرافيا خاصة مثل تقسيمات عالم كورا (جماعة مار المائية / والأرض البيضاء البرية / جماعة جامعات المحار الخارجين عن القانون). والمنطقة زيرو فنتازية بامتياز، وتأسيس سمات لها عجائبية في فترات وشروط اجتيازها ما عدا "الجن" التى تستطيع الدخول والخروج دون فترة تكيف. وأنها منطقة حدية بين العوالم ذات الترددات المختلفة ... إلى آخره.

وهناك لمحة حول الآية الكريمة "تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى" وهى سمة نفسية رئيسة لفريق الجحيم ومن ألوان عذابهم المرير، وفي الواقع الروائي التناحر بين بادو ودارك الذى كان خفيا ثم ظهرت ملامحه جلية.

أما الخيال العلمي فتمثل في حضور مشروعات علمية يتم التأسيس عليها خياليا لاستشراف المستقبل "أدب الممكن والمحتمل"، مثال: المراقبة بالبصمة الحرارية، والتقدم الصحي في المستقبل، ونظرية وضع الخصم في موطن التفكير تحت ضغط "الحرب السيكولوجية"، وفكرة السلاح الجيني الإنتقائي، وحضور ظل لسلاح الدمار الشامل من خلال صورة معكوسة لعش الغراب المعروف لشكل الإنفجار النووى، أى عش غراب مقلوب، والشاهد النصي: "السلاح: مربع أسود له قبة زجاجية صغيرة توضع بها عينة من الجنس المراد إفنائه، وتنتج كرة نارية تتوهج في السماء تبدأ من أعلى ثم تفترش السطوح". وهناك بالطبع نظرية الأكوان المتوازية وورد بالرواية مائتان نت الأكوان التى تحتل ذات الحيز.

بالإضافة للشروع العلمي هناك قضايا علمية موجودة منها قضية التحفيز العلمي المستدام وأن المخترعات الكبيرة، والتطبيقات التكنولوجية المؤثرة في الواقع بقوة، بذورها بدأت من مخترعات واكتشافات صغيرة، يتم تطويرها، فهى دائما في طور التجرية والتطوير، وهذا شائع فى الثلاثية، وأمر يؤكد على ضرورة الكدح العلمي الموصول بلا انقطاع. فالسلاح الجيني الإنتقائي في "فناء" الجزء الثانى من الثلاثية ووسيلة مدافعتة هي منجزات علمية يجري تطويرها والفرق يكمن فقط في التوجيه لضرر الآخر أم نفعه وترقية حياته. وهذا اثمر أكثر من ذروة سردية الأولى صغرى متمثلة في المدافعة والإبطال المؤقت للسلاح الجيني في منتصف رواية "فناء" تقريبا، فهو حل مؤقت يستلزم شروطا معينة للنجاح لذلك حضرت الذروة الثانية والتى هى تجسيد لفكرة استمرارية الصراع ولكن علي أرضية علمية بتطوير سلاح التدمير وتطوير مضاد لوسائل إيقافه.

ونشير للأداء الحكائي القائم على وجود مواطن غامضة يجرى إزالة الأستار عنها فى تناوب الكتل السردية، نموذجًا: دخول شخص نعرف بعد أكثر من فقرة أنه د. بلال فاقدا للذاكرة حيث ذاكرته صفحة بيضاء تتخلها بعض الذكريات المبعثرة وهى بتعبير الرواية نقاط سوداء. وهذا الأداء شائع فى الحكاية بغلق كل فقرة بأمر مثير ينتظر الإيضاح والذى يأتي لاحقا.

والأداء الحكائي التقليدي (القوس) بذروتيه الغير كاملة والتامة -والذروة غير الكاملة لدفع دماء جديدة في الحكاية- تجسد فكرة الصراع أو صدام الارادات وهذه تحتاج لفرق واضحة من الشخصيات الأبطال "فريق الأكوان" والأبطال الضد "بادو ودارك" وهذه سمة رئيسة لرواية مغامرة الفتيان أنه شخصيات حدية ليس فيها تلوين أو ما يطلق عليه القوس العاطفي للرواية. أى التقسيم لأخيار وأشرار.

وحضرت أيضا فكرة الانفصام في آخذ العهد عامر "الاسم له دلالة" بين رجل علمي نهارا والشيخ حسن محجوب المعالج بالقرآن مساءًا. والحقيقة من وجهة نظري ليس هناك انفصاما فالجانب الصوفي الإيماني يتكامل أصلا مع الجانب العلمي في ثقافتنا العربية الإسلامية.

وهناك قضية سياسية وأخلاقية مهمة، وهى ضرر الحياد أثناء المفاصلة بين الحق والباطل، والحياد هنا ضار وغيرمقدر، مثل موقف تمرد ندى ومحمود عن عالمهم المحايد السلبي عالم المراقبة للعوالم الأخرى. كما أشارت الرواية لتعدد الأنظمة والقوانين السياسية مثال نظم الإنتخابات أو نفيها بين العوالم

وعرضت الثلاثية لقضية تحتاج للتأمل حول المجانين الذين بسبب طموحهم المريض للنفوذ والقوة، ورغباتهم المجنونة، قد يجذبوا الإنسانية في مدار التدمير. وهنا الواقع يحضر فى أفق الفانتازيا. كما لها تجسد تناص تاريخي لا شك حيث إفناء أحد الأكوان صدى لإفناء أمريكا هيروشيما وهى أكبر مجزرة في التاريخ حدثت في يوم واحد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق