الأحد، 27 أغسطس 2023

 أوراق خضراء 



شعاع من الذائقة 

      "صرخة": توريق الصورة القصصية ومدافعة اليأس

                           خالد جودة أحمد



أول ما يلتقي القارئ مع قصة "الصرخة" بقلم د. بهيه كحيل، العنوان الذي يحمل المغزي الرئيس للقصة، ويحيل إلى مأساة كائنة بها، والصوت عموما يمكن اعتباره أمرا حسيا أو معنويا حسب السياق، فالصوت في حقيقته ظاهرة فيزيائية يمكن دراستها وقياسها، باعتباره موجات تنتقل في الهواء، ويمكن اعتباره معنويا في حالة استعماله رمزا معبرا عن العاطفة والفكر.

والصوت عبر "ثريا القصة" التي تشرق على النص في عليائها، ليس صوتا عاديًا لكنه صوتا ينبع من الألم، وهو الميهمن على أجواء النص، والبطل الرئيس كما يتضح من الحبكة.

"الصرخة" إنسانا جوالا يصنع المد الحركى للحدث القصصي، بالتالي النمط البلاغي قائما على التجسيم (إيصال المعني المجرد مرتبة الإنسان في قدرته واقتداره)، كما أن هذا النمط الرمزي قائما على الأنسنة بطبيعة المغزي القصصي.

جاء الاستهلال القصصي متوترا مشتملا على صور معنوية جائحة، وزاخرا بنمط نفسي يحتوى الصور الشمية (رائحة العفونة والتراب)، والبصرية (الضوء الخافت الصادر من مصباح صغير، الكراسي المتهالكة ...)، والسمعية (حشرجة ...). بالتالى حقق الاستهلال المشحون بمفرداته الكئيبة، يتكافل معه العنوان، عنصر الجذب المرغوب والمهم جدا لمحدودية مساحة القصة القصيرة.

إذا الصرخة في المسار القصصي نائبا عن الإنسان المعذب، وهذا الحضور القوي يؤكده الغياب بالإغماء والفراغ والصمت، لذلك كان رد فعل الصرخة منطقيا وحيويا استجابة لمتطلبات تلك النيابة، وذلك عبر مراحل تراتبية تتحول فيها الصرخة من المادة الصلبة (اصطدمت)، إلى التنحيف (استدقت)، إلى الحالة السائلة (انسالت)، ثم في مرحلة لاحقة إلى التمدد والانتشار (التسرب عبر فتحات وليس فتحة واحدة في جدار قبر الطفلة).

شكلت الفقرة الاستهلالية القصة الإطار (الأم)، التي نبعت منها تداعيات وتوريق قصصي مستدام –نتيجة الخاتمة التى تشكل عود على بدء- أصبحت "الصرخة" راويا وشاهدا على العصر، تمثل ذاتها، وتعبر عن محنتها، وتتضامن وتشهد على محن مناظرة بطريقة (ولولا كثرة الباكين حولى على قتلاهم لقتلت نفسي)

وجهة النظر الصحيحة ساهمت في رسم البيئة القصصية، ومشهدية المكان الذي يحتوي الحدث، ويعنى المدافعة والرحلة في باطن الأرض (تزاحم ذرات التراب الناعمة، تدفع أحجارا صغيرة، تمر تحت درنات الزنابق، قرب حلزونات التربة وديدانها.

وتتوالى تباعا القصص المؤسية، بداية من قصة الطفل النسخية من واقعنا العروبي البائس، لكنها  ُطعمت بالمجاز (حملت الطفل غيمة) استعارة جعلت الغيمة بساطا للريح، الشخصية الأرى أيضا لها قدرات منطلقة جوالة ترتفع في السماء تحملها غيمة، وتتسلل في العتمات، وتتمدد في القبر.

ثم تتنقل القصة الحركية إلى تفريع ثالث، وتورق ذاتها، وتستعين بالتناص الداخلي، واستنساخ المعنى (دمعة جذلان حارة لم تجف / الخيبة والمرارة المرسونة على وجوه الشباب الجثامين الحية)

بالقصة تسع شخصيات بدأت بالرجل المظلوم، وصرختة البطل الرئيس، وألم الطفل الذبيح، وألق الحلم، والجثامين الحية، حتى النبات (اللبلاب والنخيل)، وجميعها تتكافل في انتاج المعني الإنساني بالتعاطف مع المقهورين، لذلك تكسب كائنات القصة بعضها بعضا حيوية وسرعة وفعلا لتبديل الواقع المر.

القصة طبقا لسياقها ومغزانها الإنساني مفتونة بالمجاز الأولى (التجسيم)، فحفلت بالتركيم للصور الجزئية، وحشد المواقف الإنسانية التى تشكلها، وشيوع الذوات القصصية في الذات الأولى "الصرخة"، فمسار الحبكة بالتالى أفقيا حول ذات الثيمة (الصرخة الجوالة وأخواتها).

هناك رأي يقول أن الأدب ليس ملزما بتقديم الحلول، وأن مهمته فقط طرح الأسئلة، لا تقديم الإجابات، بينما يرى الكاتب "محمد جبريل" أنه على الأديب إذا صور نقصا في بع مناحى المجتمع أن يهتم بأوجه علاج هذا النقص. والقصة اقتنت المفهوم الأخير، لذلك في رحلة المدافعة نبت الشعاع البسيط الذي تسرب مع شق برعم صغير لجذوره، فالتحمت به الصرخة وألق الحلم بصحبته، وتداعت الصورة القصصية في منحى جديد، حيث إرادة الارتفاع والعلو والنهضة منطقية (صرخة المظلوم المسموعة سبيلا للانصاف)، استدعت تلقائيا فكرة النخيل السامق. وجاءت مناجاة الذات القصصية "الصرخة" بدون مؤشرات لفظية (تسريد المناجاة) لتخبر عن التباين بين القبر وغمر الشمس لألق الحلم فوق ذؤي النخيل: "آه ما أجمل الحياة .. وما أشد الفرق"    

ويدعم هذا المنحى دائرية القصة، فالخاتمة تعود للبدء بطمر جديد للصرخة وقبرها، ورحلة متجددة للنهوض والبحث الشاق عن شعاع علوي، فالصرخة كلما حلت ارتحلت، لتدعم ثنائية النور والظلمة، والصباح والمساء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قصة (الصرخة) بقلم د. بهيه كحيل
كمموا فاه ورموه خرقة بالية في قبو معتم رطب ، استقبلته رائحة العفونة الواخذة استقبالاً حافلاً رحب به الغبار المتراكم على الارضية ، فانتشر وملأ الفراغ بين الأرض والسقف ، ولولا ذلك الضوء الخفيف الذي ينتثر من فتحة صغيرة  أعلى أحد الجدران المتهرئة لكان قد غاص في ظلمة دامسة .     فتح عينيه بصعوبة و استطاع بعد جهد أن يميز كرسيين متهالكين ،  طاولة حديدية يعلوها مصباح صغير يتدلى من السقف أشبه ما يكون بمشنقة ، وهناك بعض الاشياء التي تزاحمت في ركن قصي لم يستطع النور الضعيف أن يصل اليها ، فبدت كخيالات مرعبة ، أو كأشباح تهيم في المكان .     شيء ما قابع في الزاوية تحرك باتجاهه ارتعدت فرائصه ، التف حول جسده المنهك . أنفاسه المتكورة داخل صدره كان يلزمها الكثير من الحشرجة كي تخرج إلى ظلام الفراغ الذي لفه منذ الدقيقة الأولى التي رمي بها إلى هنا .    اقترب الشيء، التصق به .. صرخة ألم شديد، يسقط على الأرضية ،صرخة أخرى مذبوحة ، ويفقد وعيه ثم صمت !!     أما الصرخة فقد اصطدمت بالجدران بالسقف بالأرض ضاق بها المكان وهي تبحث عن مخرج لها فاستدقت ، ثم انسالت من فتحة أسفل الجدار حيث اعتادت القوارض أن تسرح وتمرح في غمرة العفونة والرطوبة والليل البهيم .    دخلت الصرخة جحر الجرذ ، سارت فيه محمومة لاهثة قوية تبحث عن شعاع نور لتخرج من هذا الجحيم ، ثم انطلقت في باطن الارض تزاحم ذرات التراب الناعمة ، تدفع أحجاراً صغيرة ، تمر بين جذور الأشجار ، تحت درنات الزنابق ، قرب حلزونات التربة وديدانها .    تصطدم بجدار قرميدي لقبر صغير ... صغير جداً، انتابها الفضول ، فتسللت عبر الفتحات الصغيرة التي نسي حفار القبور اغلاقها تماماً .    وجمت الصرخة وهي ترى طفلاً صغيراً مضرجاً بدمائه فهدأت حدتها ، تحولت إلى رنين حلو ناعم ، وهمسات دافئة ، اقتربت من الصغير وبدأت تناغيه . ابتسم ، فتح عينيه ، فبادرته الصرخة قائلة :  ما الذي أتى بك يا صغيري ، من المبكر جداً أن تتمدد هنا .  أجاب الصغير : ذات صباح بحثت عن أبي فلم أجده.. ثم قالوا لأمي يجب ان ترحلي من هنا ورحلنا . في الشارع كان هناك الكثير من الناس يركضون في الأزقة . ضمتني أمي إلى صدرها ، ولحق بنا أخوتي .. كنا جميعاً خائفين ، وفجأة حملتني غيمة ، وصعدت بي إلى الأعلى ناديت أمي ، أخوتي لم يسمعوني فقط لوحوا لي من بعيد ، وعندما كنت أشتاق لأمي أتسلل في عتمة الليل لأزورها وأطمئن عليها فأراها تبكي ، وتحضن اخوتي في بناء مهجور ، وذات مساء ذهبت اليهم كعادتي فلم أجدهم .. كانوا قد رحلوا ، ومنذ ذلك اليوم ، وأنا ممدد هنا أشتاق لصوت أمي العذب ، وهو يروي لي حكاية قبل النوم .    ارتجفت الصرخة ، تألمت ، وبصوت تملؤه الدموع حكت للصغير حكاية فغفا .    الألم الذي انتابها جعلها تصبح كسكين حادة تشق الأرض بعنف . وفجأة اصطدمت الصرخة بجثة شاب ما زالت قبضته القوية متكورة .. آه إنه ليس شاباً بل عدة شبان لا جدار قرميدي .. لا أكفان .. فقط جثث مرمية فوق بعضها بعضاً سمع الشاب الصرخة ، وأحس بالصدمة تململ ، فتح عينيه ، ثم أدار وجه ليداري دمعة خذلان لم تجف بعد في محجريه .    اما الشبان الآخرون فقد ارتسمت الخيبة والمرارة على وجوههم التي غاب عنها بريق الحياة وحرارة الدماء فبدت شاحبة    تهادت الصرخة فوق الجثث تمر تحت ساق تارة ثم تعلو ثانية فوق رأس مثقل بأحلام  ما لبثت أن التحمت بالصرخة ، ولم يعد يبقى في القبر الجماعي سوى أشلاء شبان  باردة بلا أحلام .    تابعت الصرخة مسيرها وقد أصبحت أكثر سرعة بعد أن اكتسبت من الحلم ألقه ، وراحت تبحث في ظلمة الأرض عن بصيص أمل ، واثناء بحثها ارتطمت بشيء معدني ، فعلا صدى ، وسمع رنين لقطع ذهبية تملأ جرة كبيرة مدفونة في باطن الارض .    صعق الحلم  كتمت الصرخة أنفاسها ، وظل الاثنان في حالة من الابهار ، ثم اقتربا من الجرة التي بدت حزينة متثاقلة بما تحويه .    سألها الحلم : ما بك ، ولم أنت حزينة .    أجابته : يوجد فوقي كوخ فقير يضم عائلة بائسة يشبع أطفالها يوماً ويجوعون أياماً كم أتمنى ان أنفض عن كاهلي تراب الأيام ، وأنهض لأرى النور .    كم تسللت ليلاً إلى أحلامهم ، وكم تاقت نفسي للقياهم .. وكم أرسلت اشعاعاتي القوية ، وانا أدعو الله أن يشعروا بي أو تهتدي معاولهم إلي .. لم يتحقق حلمي وها أنا ذي قابعة هنا أنتظر الفرج .    ابتسم الاثنان بمرارة ( الصرخة والحلم ) ثم لوحا لها مودعين ، لكن الوهج الذهبي لحق بهما ثم اتحد معهما ، وسار الجميع في طريق غابت معالمه .    وفجأة لاح شعاع بسيط  ، انه برعم جديد يخترق التراب ، ويشق سطح الأرض     سارعت الصرخة والتحمت مع البرعم الصغير ، فها  قد وجدت الطريق إلى النور أخيراً    رحبت بها الشمس ، فأرسلت نورها  ليغسل الظلام ويمحو العتمة ، وليزيد من قوة نمو اللبلابة الصغيرة ، والتي بدأت تكبر ويشتد عودها بسرعة غريبة ، وها هي ذي تلتف بحنان ، تلامس بنعومة ساق نخلة باسقة تتوسط حديقة كبيرة لقصر جميل على أطراف المدينة .     فرحت الصرخة بنجاحها ، وبدأت تعلو ، وتعلو بزهو وفخر على جذع النخلة .    آه ما أجمل الحياة ، وما أشد الفرق بين الظلمة والنور بين عفونة ذاك القبو اللعين ، وبين عذوبة هذا الهواء العليل ..    أما الحلم فقد حلق عالياً .. عالياً جداً فوق سعف النخلة المثقلة بسباطاتها  متوجها نحو السماء الصافية بوهج يضاهي وهج الشمس .     أيام وأيام .. ما زالت اللبلابة تكبر ، والصرخة تعلو ، والحلم يتسامى في هذه الحديقة الغناء . أما النخلة فقد بدت سعيدة منتشيه بأصدقائها الجدد وذات صباح اكفهرت الشمس ، سديم أسود ملأ السماء ، وصوت أربعة أقدام تتجول في حديقة القصر ، ثم تقترب من النخلة .    قال صاحب القصر للبستاني العجوز : ما هذا النبات .لم تركته يشوه منظر النخلة ، انزعه في الحال، ثم أكمل السيد جولته ، أما البستاني العجوز فقد هرع إلى قدومه، ثم انحنى نحو جذر النخلة وراح يحاول اقتلاع اللبلابة الفتية، يميناً يساراً .. يميناً يساراً ، ثم كومها ذليلة حزينة .
وعند الصباح مرت سيارة كبيرة حملتها مع قمامة الحي إلى خارج المدينة حيث يتم دفن النفايات في باطن الأرض .    ارتعدت الصرخة ، وهي ترى التراب ينهال عليها ، وتغمرها العتمة مجدداً،  فهبت من جديد وبدأت مشواراً آخر للبحث عن النور

الطائر العجيب يحلق علي موجات الشباب والرياضة


 

بفضل الله تعالى

السبت ٢٦ أغسطس ٢٠٢٣ حوار حول قصتي من أدب الخيال العلمي (الطائر العجيب) مع الاذاعي حسام عبد الكامل ببرنامج (ما وراء الخيال) إذاعة الشباب والرياضة الساعة التاسعة والنصف م

الجمعة، 28 يوليو 2023

 الإعلام وأدب البناء في مسرح الأديب الشامل خالد الطبلاوي

خالد جودة أحمد


في مفتتح مقاربة المجموعة المسرحية (القرية والحاوي) للأديب/ خالد الطبلاوي، نقدم بداية للأديب، حيث نرى أنه أديب شامل، يعتنق فكرة التوصيل باعتبار الأدب في حقيقته رسالة، ووسيلة لغاية التثقيف والتعليم والإمتاع، لذلك هو في بحثه لرداء يكسوه موضوعه الأدبي تتعدد قوالبه وأشكاله الفنية، محققا ما يسمي "التفسير الإعلامي للنص الأدبي"، وبدرجة لافتة ومثيرة، فهو شاعر صاحب تنوع في أدائه الشعري بين المقطوعة الوامضة الحكيمة، والشعر الساخر والسياسي والاجتماعي في آن، وهو قاص يكتب القصة القصيرة والقصة القصيرة جداً، ويستعين بالموروث الثقافي الحي لهذه الأمة ليؤدي سبل المفارقات الكاشفة في هذه القصص، وهو كاتب للدراسات البحثية والرؤية التذوقية لمنتجات إبداعية، وهو كاتب في الشأن العام، ويحتفي بمناسبات مؤثرة في الحياة مثال مقطوعاته المعنونة (مسحراتي الثورة).

هو صاحب غاية وفي إطارها هدف يسعي إليه بجعل الأدب وسيلة للتثقيف والتغيير (أدب البناء) فيعتني عناية خاصة بالطفولة وآدابها، فيكتب شعر الأطفال التعليمي، ويؤسس الألغاز الشعرية للصغار والكبار حول مقاصد سور القرآن الكريم، وهو ناشط ثقافي رفيع المستوي، يكتب للصحف الورقية، وينشر الكتب المنوعة، وفاعل في كثير من تطبيقات الإنترنت أمثلة: منتديات أدبية (رواء أنموذجاً) ومدونات فيسبوك، بل ويؤسس الصفحات ذات المذاق الخاص مثال صفحته الساخرة علي شبكة التواصل الاجتماعي (قراميش الطبلاوي)، كل هذا وأكثر الأديب خالد الطبلاوي.

أما الكتاب بين أيدينا فيأتي لاستكمال هذه المسيرة، فيمنح في تنويعاته وأطيافه فكرة مؤكدة أن هدف الأديب هو التوصيل أصلاً، والإعلام للقارئ بفكره نابهة، ومفارقة بديعة، وقيمة شيقة في الحياة، منافحاً عن أصالة وهوية أمته، مع احترام الآخر والثقة بقيم الخير والعدل والجمال، كل هذا متسربلاً بمذاق الفن الشهي.

والكتاب الأدبي بين أيدينا يختار له الأديب ثوبه الفني (المسرح)، بل تتصل إرادة التوصيل ومنهجية الأديب في تحقيق المتعة والجمال والمنفعة للنص الأدبي بالتنويع بين المسرح النثري، والمسرح الشعري، وبين الطول والقصر في النصوص المسرحية، بين التمثيلية القصيرة، والمسرحية متعددة الفصول والمشاهد، وبين الرؤية الاجتماعية والسياسية.

والأديب واع تماماً في أدائه ومنجزه الإبداعي، حيث يوقن (كما تحدث بلسان حال أدبه) أن الكتابة السهلة الشيقة لا يستطيعها سوى صاحب الموهبة الكبيرة، لذلك كان واضحاً في الإشارة بأسماء مطابقة لسمات الشخوص المسرحية، راسمه لدورها الدرامي والمكانة التي تشغلها في القيمة التي يهدف الأديب لترسيخها، بل إن التقديم للشخصيات والتعريف بها في مفتتح مسرحية "القرية والحاوي" كاشف لهوية هذه الشخصيات ودورها في "أحدوثة" المسرحية، فالقارئ علي دراية مسبقة بمساراتها في الأحداث المسرحية، بل واستعمال تلك الأسماء بها لماحية السخرية، ومن هذه النماذج (شهوان: كبير عائلة أبو شهوة وهو من أنصار الحاوي. أكول: كبير عائلة أبو تخمة من أنصار الحاوي)، والرمز السهل مشهود أيضاً في الدالة الكلية للحاوي باعتباره معادلاً موضوعياً مرنا للدخيل المفسد المغير للطبيعة الخيرة إلي أخرى شريرة، ويفتح هذا باب التأويل الميسر المقبول، فقد يكون وسيط إعلامي ينشر إباحية مهلكة بألوانه الساحرة ويسر الوصول إليه بضغطة زر، وقد يكون الفكر المضلل العقيم هادم هوية الأمة وأصالتها ...، فالرمز متاح وصالح لتطبيقات عديدة تستجيب لتأويل القارئ ووعيه بحجم الخطورة في الوافد الذي يضمر نية السوء والتدمير، وإن كان التناول القريب يشير للطاغية ناصر الظلم وناشر الكراهية.

وشاعرنا حين صاغ مسرحه الشعري كان واعياً بالفواصل الشفافة بين الأنواع الأدبية، وأن المسرح الشعري يستعين بالشعر أداة بنائية في لغة درامية صاعدة، إن تعدد الأصوات ووجهات نظرها والصراع الدائر بين الذوات المسرحية تقدم لنا عالم احتراب الشر والخير علي مدي الدهر، لتفي قيمتها الإنسانية الباقية في لغة ممتعة، ذات طراز رفيع.

إن المسرح لدي الأديب خالد الطبلاوى يقدم الإدانة لتشيؤ الإنسان، وتحويله إلي سلعة تباع وتشتري. وفي مسرحية "محاكمة عابد" نجد سلاسة التعبير الشعري في تلك المسرحية وبساطتها الجميلة الآسرة، بهدف توصيل قيمة "الثبات طريق النصر"، كما يقدم بها كشأن النصوص المسرحية في جلاء لا يحتاج التفسير أن جوهر الحياة التدافع بين الحق والباطل، فأهل القسوة والظلم يرون صاحب الفكرة "مزعجا للحياة"، وهى مفردة ترددت أكثر من مرة علي أفواه الشخوص المسرحية الظالمة، حين يستفسر "عابد" عن جريمة محبي الإصلاح، فيرد عليه القاضي الأول: (غيروا وجه الحياة)، وهو  تناص مع النص الشريف (ويذهبوا بطريقتكم المثلي) وهذا من ذكاء الشاعر حيث أشار لقضية خطيرة تعتبر مؤشر رئيس في قضية التدافع والصراع المرير، وهي قضية الأسماء والمسميات حيث يتم التلبيس والتدليس علي الأفهام بنشر الضباب الفكري والصخب الإعلامي، فيغدو الحق باطلا، والباطل حقا أصيلا، لذلك يرد عابد علي القاضي: (المتهم : غيروا حقاً ولكن بعدما أصبحت موتاً وذلاً للجباه)، فاستعمال هؤلاء لكلمة الحياة فيه تدليس فهو موتا بالذل، وتحرير المفاهيم مكون رئيس في راغب الإعلام لأنه هكذا يعمد للتوصيل والتوضيح لحقائق الأمور ومواردها ومصادرها، وهذا المثال له أمثلة كثيرة في النصوص، فالأمر وعكسه (الظالم: انقلاب / المصلح: طوفان سيأتي بالنجاة)، (القاضي الأول : لا نبالي عدلنا في منتهاه / المتهم : يسقط القانون في طغيانكم) ... وهكذا

أما مسرحيته النثرية (جنة العربية) فتمد الجسر بين الورقي والرقمي، وتقدم شخوص من العالم الرقمي لتكون حاضرة متحدثه بثراء تجاربها في نص درامي، ويقدم دليلا عن أثر الحاسوب وشبكة الشبكات في الأدب العربي خاصة في خدمة اللغة العربية، والتناص في أولي مراتبه تحقق بالتضمين المباشر لأبيات شعر طبقت شهرتها الآفاق حول (أنا البحر في أحشائه الدر كامن ...)، فجاء التضمين موفقا، ومقدما ناحية معرفية بهدف التوصيل، وكأنه باحث مبدع يجيب علي فروض بحثية متوقعه، ويطرح عنوان متميز (دور مواقع خدمة الفصحى على شبكة النت وأثرها على نمو معدل استخدام اللغة العربية في الشارع العربي)، بل وفي بساطة متناهية وبرؤية ثاقبة يفض هذا الصراع الوهمي بين الورقي والرقمي فيرى في الإنترنت وسيلة مساعدة ومكملة للنشاط الأدبي وتوصيل الرسالة الأدبية، وأديبنا هو في الأساس ناشط ورقي ورقمي علي السواء كما أوجزنا سابقا، وسواء بالتضمين أو من الإحاطة البحثية في إطار إبداعي نجد ثراءً معرفياً بدليل تغذية النص بمعلومات حول الموضوع، لأن النص المسرح هنا تعليمي هادف، وهذا الوعي الحاسوبي لا يمكن أن يتحقق سوي لأحد ناشطي الأدب علي الإنترنت، فيشير للتحول أيضا بين الواقعي والافتراضي، باعتبار الروابط بين الموضوعات الأدبية والأدباء علي صفحات الفضاء، جماعات أدبية افتراضية تنتقل إلي جماعات فكرية واقعية، وهو أمر مشهود في الدراسات التي بحثت هذا الشأن، وتعتمد في صلبها خاصية الترابط التشعبي بين روابط الأصدقاء الأدباء وصفحاتهم ومدوناتهم ومنتدياتهم جميعا، ليؤكد هذا النص المسرحي المعاصرة أيضا بجانب الأصالة تنويعا جديدا لأديبنا الشامل، أما الدلالة الكلية في نص (جنة العربية) فتنصرف بحلية فنية تنطلق من التجسيد والتمثيل للمعني ليكون طريفا وشهيا للقارئ.

وبعد هذه الإشارات المكتنزة من عالم النصوص المسرحية ... قد يبدو للبعض أن الأدب إذا لم يضم صوراً بالغة الغرابة والتعقيد، وإذا لم يشمل معميات وأحاجى - يقف العقل منها حائراً والوجدان سقيماً - ليس حرياً أن يسمى أدباً، وأطلقوا حناجرهم بالاتهام للأدب السهل خادم القيمة والفكرة، بأنه أدب مباشر يفتقد الأدبية، وتناسوا أن مستهدف الكتابة هو القارئ، وان الأدب بمتعته ومنفعته، مقولة قديمة جديدة ما زالت صالحة، وأن ذائقة القارئ هي سيدة الموقف، وأرى أن القارئ يحب  أدب الطبلاوي لكل ما سبق وأكثر.

 دراسة منشورة بالمجموعة المسرحية (القرية والحاوي) 
ونشرت أيضا بصحيفة المثقف الإلكترونية




الثلاثاء، 25 أكتوبر 2022

 

فنُّ حياكة القصَّة القصيرةِ الشَّبابية المعاصرة

مراجعة نقدية للدكتور خالد جودة أحمد

للمجموعة القصصية حزمة نعناع




نبتَتْ فكرةُ “الإصدارات الإبداعية المجمِّعة” بقوةٍ كأحدِ وجوه الظاهرة الثقافية الحديثة الكلية، منذ مَطالع تسعينيّات القرن العشرين، تلك التجلياتُ الثقافية الكثيرة التي تأسَّست فوقَ كاهل الأجيال الشابة الجديدة، تعبِّر عن رؤاها، وتصفُ تعاطيها الفكري والنَّفسي مع الذات والمجتمع المصري المتغير في آن.

والكتابُ القصصي الماثلُ بين أيدي القرّاء آنيًا أحدُ جواهر تلك الظّاهرة المهمَّة، كما تمثل وجوهًا أخرى معبِّرة من تلك الظاهرة الشاملة:

أوَّلًا: أنها تأسَّست عبرَ الوسيط الإلكتروني الذي يُتقن التعاطي معه, ويؤثِّر من خلاله بقوة الكتاب الشباب.

كما يتضح مع القراءة الأولى للمجموعة القصصية أنَّها بأقلام مجموعةٍ من كتّاب القصة القصيرة المتحقِّقين فنيًّا بدرجة جيدة، وأنَّه جرى استعمالُ تقنيات قصصية موفقة.

ثانيًا: أنَّها نبعتْ من خلال مسابقة دار “إشراقة”، والتي اقتنتْ إستراتيجية مَقولتها المعلنة “نبحث عن المُختلف لنصنعَ الفارق”، فهناك منهجيَّة مُستقاة من فكرٍ إبداعي لا يكرِّر ذاته، ومؤثر أيضًا في نتائجه الفارقة، في انتخاب الأعمال للنَّشر من خلال الدار.

ثالثًا: أنه قامَ بالتَّباري في ساحة المسابقة، والقائمين بالتحكيم أيضًا كتّاب ونقادُ القصَّة في مجموعتين أدبيَّتين شابَّتين, ذات أثر وتحقُّق أدبي لافت في الفضاء الافتراضي؛ جماعتَا “الكتابة وأهلها” و”أسرار الكتب”.

وكانتِ الثمرة أنَّ القصص جاءت مُنتخبة بعناية، محقِّقة لطُعومٍ منوَّعة في فنِّ القصة القصيرة المُعاصرة، كما تحملُ دوالَّ موضوعيةً معاصرة ومؤثرة، تحمل همومًا واقعية وشبابيَّة كثر. كما يتضح مع القراءة الأولى للمجموعة القصصية أنَّها بأقلام مجموعةٍ من كتّاب القصة القصيرة المتحقِّقين فنيًّا بدرجة جيدة، وأنَّه جرى استعمالُ تقنيات قصصية موفقة.

وتنوَّعت أنسجةُ القصِّ في رعاية الثنائية التليدة الجديدة في آنٍ واحد “الشكل/ المضمون”. يقول الروائي والناقدُ البريطاني “هنري جميس”: “إنَّ الفكرة والشكلَ هما الإبرة والخيط، ولم أسمعْ بعدُ عن نقابة للقمّاشين أوصتْ باستعمال الخيط دونَ الأبرة”، ونبحثُ الوجهين معًا طبقًا لسياق الإبداع ذاته، أي من داخل النصوص القصصية، ليمنح النصَّ عطاياه للقارئ الذائق.

التيمةُ الموضوعية الأولى في ظلال القصص هذا الاحتفاء بمقولةٍ قصصية نابهة تؤتي أكلَها كلَّ حين، وصالحة للتَّطبيق عندما تلتقي بفنِّ القصة الدقيق، وهي مقولة أنَّ القصة القصيرة صوت المسحوقين والمظلومين، وأنَّها عزفٌ على أوتار القلق الاجتماعي والتوتر النفسي، وأنَّها تمثل صوتَ الطبقة الوسطي المنْحولة في المجتمع.

عبَّرَ عن هذه التيمة قصَّة “السيد” للقاصة “رشا فوزي”، من أدب الجائحة، حيث “إلهاب الأرواح بالأسئلة” بمَجاز القصة، فتصفُ الأسى والمرار في معالم المفارقة بين الطبقات الاجتماعية، لكنْ ليس من منظور “النَّحر الطبقي” و”الحقد الاجتماعي” الذميم، بل من خلال وعي يحفز إلى تكافل الطبقات الاجتماعية, ولقائها الإنساني الكريم، سفين النجاة في واقعنا البئيس، تجلَّى هذا في موقف الطبيب الإنسان “إياد”، كما تجلَّى بذكاءٍ خاصّ من القصة الماتعة في موقف جامع القمامة النبيل “إبراهيم” والد “سيد”، بعبارته الموفقة “إحنا أسباب لبعض يا بني”، مع تقدير للأسرة المكافحة البسيطة، عمّ “إبراهيم” “الملك المتوَّج على كنبة مهترئة تتصدَّر الساحة”، والأمُّ التي تبرم في البيت كالنحلة. وأكد مسارَ القصة خاتمتُها، وصحيح أنَّ جزءها الأخير شارحٌ توثيقي، لكنْ جبر هذا تلك العبارة المضيئة للقصة التي تحمل سماتِ الواقع لكنَّها تبشِّر بالأمل وتدفع نحوَ الفعل الإنساني الكريم: “.. تطلع للسماء بعينيْن باسمتين شاعرًا بهاءها رغمَ وجهها حالك السواد”.

أمَّا قصة “الغاز السري” فتطرقُ بابَ “الهامش” الاجتماعي بوسيلة الفانتازيا الساخرة من لون “الضَّحك الداكن”، حيث تصف مواضعاتٍ إدارية مُهلكة يتعرَّض لها أبطال القصة من سكان المقابر، مع التَّعميم، حيث تقع أحداثُ القصة “في مدينة مغمورة في بلدٍ مجهولة في العالم الثالث”. مع استعمال أسماء طريفة للشَّخصيات القصصية والأشياء، خاصَّة اسم الغاز السري الذي يمثل لبَّ القصة وعطاءها الساخر المرّ “غاز الطعمية البايتة”، والتي شكَّلت المعادلَ الموضوعي- سرّ قوة القصة- لملمح السخرية الرئيس بالقصَّة الذي يصف مرضَ الفيل الحكومي، ويجسد سلوكَ الإهمال والبرود الوظيفي المهين.. كما تصف القصَّة “الهامش” وصفًا خارجيًّا معبِّرًا: “أمواج بشرية تنضحُ فيها الوجوه بالأسى واليأس”، وتكرر الوصف الخارجي في أكثر من موطنٍ بما يمنح الإيهام بالواقع.

أمّا قصَّةسيزيف آخرللقاص “علي راشد”، فتقدِّم الواقع الكابوسي مجسَّدًا من خلال تصور خيالي محلِّق، حيث يحضر التنمُّر الجماعي في ظلِّ نحتِ أسطورةٍ هندية مخوفة، لعقيدة مُرعبة. ويستعمل تكرار المُفردة وسيلة لأداء القصَّة الفني العجائبي، فعنِ الابنة الرقيقة! والأمّ والابن وهم يتَّجهون في قسوة لجسد الأب المسجَّى الواعي بدون قدرةٍ علي الحراك، وهُم يحملون أطباقًا وملاعقَ وأشواكًا وسكاكين، و”في عيونهم علامات اشتهاء لجيفة طازجة” بتعبير القصة: “يتوجهون إلى.. خطواتهم ثقيلة.. أنفاسهم ثقيلة.. نظراتهم ثقيلة.. خوارهم ثقيل”. والتكرارُ ظاهرة أسلوبيَّة مستقرَّة في القصة سواء في المفردات أو التعبيرات أو حتَّى في استهلال القصَّة بعلامة موازية عن الحلم داخلَ الحلم لإدرجار آلان بو، والتي كررها في خاتمة القصة! حتَّى فعل “سيزيف”- وهو حاضرٌ في العنوان فقط- هو فعلٌ مكرر. لكنَّ القصة وظفت تقنية الحلم المُزعج بشكلٍ مثير، كما راوحتْ ذهابًا وإيابًا بين الحلم واليقظة. كما أنَّ القصة استعملت علامات الترقيم “ثروة القصة القصيرة” بطريقة جيدة.

وفي قصةاستحواذللقاص “أحمد حمزة” نجد شخصيةَ الأبله الحكيم المعروفة في الأدب، ومُفردات القصة موظَّفة لصالح طقسها النَّفسي الشائك، فنجد الطريقَ الموحش، والطقسَ البارد، وشحوب الشمس بالغروب، و”مطارق الجليد تطرقُ أوصالي وعظامي وكلَّ مسامي”. وعلى مستوى الشخصية القصصيَّة يحضر الكائنُ المرعب المهيْمن “بعيون آمرة قاسية كالذئب السجين”. وهي قصةُ نتيجة؛ أي تبدأ من زمنٍ متأخر, ثمَّ ترتدُّ للماضي لتصفَ الجذور اليابسة للواقع الاستهلالي المر، لتصفَ القصة معالم “العلم الآسن”، عساها تدفع قارئها للفعل لتغييره.

أمّا قصَّةصانع الأحزان الضاحكةللقاص “محمد سعدي”، فتقدِّم المفارقات الطريفة المبكية في آن، وتستعمل ذاتَ التقنية لوصف حالِ شعبنا العريق في مهنة “صناعة الأحزان”، وفي المفردات الضدية أيضًا، نموذجا: “المدافن الثرية والعشب اليابس”. وتتداعى معاني القصة في ذات إطار الأمثولة، فتنسال الصور: “والله إنَّني لأصنع الحزن صناعةً محكمة، يقسم المبتاع بجودتها وهو يمصمص شفتيه/ حبكات وتسويق الأحزان/… إلى آخره”. ومسارُ السخرية الداكنة يرسم معالمَ النَّحر الاجتماعي العميمة “فيجلدون ذكرى الفقيد على قليل سروره”، فعمودُ الحبكة القصصية تلك المسرَّة النادرة كالعقيق جريمة تستوجب اللوم والغضب.

أمّا قصَّةعرسللقاصة “دعاء العسقلاني” فتبدأ القصةُ من لحظة خطرةٍ وهذا جيد، ثمَّ تستأنف في مسار بوليسي يدور حولَ أدب “مَن فعلها؟”، وتطرح القصة موقفَ النخبة مجسَّدة في موقف فتى المكتبة “مثقف الحي” ودوره في الحدثِ القصصي المتكرر. كما تطرح القصةُ قضية “الفقر” ودوره في تدمير الحيوات الشابة الناهضة.

أمّا قصَّةأحلام سماويةللقاص “محمد وفائي” فقد سلكت مسلكًا غيرَ مباشرٍ للتعبير عن الواقع الاجتماعي من خلال حبكة قائمة علي تقديم مسرة نفسية نادرة كبيضة الديك كما يقال لبطل الحدث القصصي، صاحب الأرجوحة، الطائر بها في سعادةٍ لن تتكرر، وتلك مفارقة مُحزنة، رغم السعادة النابتة بمفردات القصة الموفقة.

أمّا القصَّة المشوقةأحلام قرية العصافيرللقاص “محمد الشافعي”، فتقدِّم حكْيًا أسطوريًّا متخيَّلًا، في شكل حواري مُحكم قصصيًّا؛ أي ذو بداية وذروة وتنوير، والحكاية قلبُ القصة حاضرةٌ في حبكة متسلسلة, لها ظلٌّ بيئي، وتطبيق فكرة الإنسان الجاني والضحية، وتعاطي السلطات وتأثيرها في شعبها، لذلك جاءت الخاتمةُ ساخرةً معبِّرة، تكشف الزيفَ والخداع، وتمتِّع القارئ. والقصة ثمَّنت روح ودور الشاب وتفكيره العقلاني المنطقي، وصدحَه في براءة وقوة بما يراه صائبًا في ظلال موروثات اجتماعية مهلكة قائمة على الإذعان والخمول.

أيضًا من معالم القصص الموضوعية طرحُ التنمُّر الاجتماعي، ودواهي التصحر العاطفي في رحابِ الأسرة المصرية، وشحوب تقدير المرأة ودورها الكريم الباني في الحياة، وعبَّرت قصةقبل الشروقللقاص “سهير عسكر” عن محنةِ بطلة القصة من ذواتِ الهمم التي تلقى النكرانَ من إخوتها من الأبِ وزوجة أبيها “ذات الحاجبين المنمَّقين بشكل مُخز” بتعبير القصة، ومِن عمتها الطامعة “شبيهة الزومبي”، وبلغت المأساةُ ذروتها بفقد الثقة، حتَّى ترتجف “الخرساء” بطلةُ القصة من لمسةِ حنان كذوب، وتمضي القصةُ في خطِّها الحكائي المرسوم “تطرق أبوابًا من الألم” بتعبير القصة، لكن مدى القصة الزمني، وأحداثها الكثُر ترشِّحها لما يُعرف في النقد الأدبي بالتَّنامي السردي، فهي نواة رواية، أو بالأحرى دراما مُلتفزة.

وفي قصَّة ثانيةألوان الكهفللقاص “علا محمود” يحضر التنمُّر الأسري والاجتماعي أيضًا، ومفارقة التَّقدير بين الجوهر والمظهر، حيث تحتفي القصةُ الرشيقة بالنبل الداخلي، وتجسده في وظيفة فنتازيَّة بلاغية من خلال مُعادل “الألوان” المُبهجة في الكهف الساحر، تصف النجمة الزائرة مانحة الألوان: “نجمة ذهبية لها ذيلٌ يلمع بقطع الألماس.. يخطف القلب.. ويشعر بالسعادة.. في عالم ساحر من الأحلام” كما تصفُ تعبيرات القصة. والقصةُ تقدِّم فكرة “الطبّ بالفن”، ويفصح ضمير القصة الهامس في تقديري عنْ كون الإبداع جميلًا. وصحيحٌ أنَّ القصة الدائرية تجسِّد الفكرة المعنوية في صورة مغامرة، لكن أيضًا هناك تداعٍ في خاتمة القصَّة, خاصَّة مِن خلال الفتنة بمحور القصة، ممّا أثَّر شيئًا ما في بهاء القصة.

وكان حضورُ التنمُّر الأسري في ثوبٍ آخر شارحًا بطريقة فنيةٍ حول التصحر العاطفي في الأسرة المصرية، ففي القصة العذْبة ذات المُعادل الموضوعي الجيد، والذي جاء في ثريا القصَّة وعنوانها “حزمة النعناع”، نجد على مستوى الأفكار حضورَ قضية اجتماعية خطيرة، وهي قضية المرأة المَعيلة، والذكور-اللارجال- أو بتعبير القصَّة الموفق “الخنازير البشرية” الذين يتنصَّلون من واجبهم الرجولي. هنا المرأة المَعيلة ومُعادلها “النعناع”، ذات الوصف الخارجي الموظف بذكاء في القصة: “ذات جمال أخَّاذ توارَى خلفَ ستائر من الإهمال والفقر والمعاناة”. وتقوم حبكةُ القصة الجيدة على استبطان نفسي بارع في تحليل شخصية المرأة “النعناع” الصّابرة من أجل أبنائها، “القارئة للمواقف والبشر” فتقول عن ذكرها النذل “صاحب القلب الطيب”، ثمَّ تغضبُ من السائق محبِّ سيارته والسارد في القصة لأنه يشكل خطرًا على سلامها النفسي.

ويحضر التصحُّرُ العاطفي الأسري المميت أيضًا في قصة ذات مغزًى، وتحقق معادلها الموضوعي أيضًا في العنوانقهوة باردة جدًّاللقاصة “نادية الهواري”، من خلال امرأة “شجرة سنديان”، وفي تداعي: “أي ريح استطاعت أن تهزَّ جذع أمّه”؛ حيث الطفل يفطنُ لهزائم أمِّه النفسية، فتحمله أمُّه كمن يحمل كفنه. وتشتغل القصةُ بفطنة حولَ المجاز المعبِّر عن المأساة: “زوجها نصفها المنقوص/ الرجل الخفاش/ حاولت كثيرًا أن تتمدَّد بين جلده والعظم خاسرة”، وفي تماثل سرْدي مجازي: “تتثاءب الشمس متعبة”.

وإذا كانت الروائية “إيزابيل الليندي” شهرزاد السَّرد اللاتينية، قد عبَّرت في مواطن كثر عن كون فنِّ القصة القصيرة صعب، وأنَّها تفضِّل عن كتابتها كثيرًا كتابةَ الرواية رغم جهدها، وصبرها، ووقتها الجهيد، فقد أعلنت أيضًا أنَّها تحب قوةَ القصة القصيرة في التعبير، ووصفتها: “ق.ق سهمٌ لا يحقُّ للكاتب أن يرميه إلّا رمية واحدة، عليه أن يختار الاتجاهَ الصحيح والسرعة الصحيحة، وعليه أن يشدَّ القوس بقوة مُناسبة. في القصة القصيرة أنتَ لا تملك الوقت ولا المكانَ لارتكاب الخطأ، كلُّ الأخطاء تظهر”.

وقصة “قهوة باردة جدًّا” تُحقِّق هذا الوصف، فهي قصةٌ منسوجة برشاقةٍ في إطار قصصي محدود وموفَّق، كلُّ مُفردة منتخبة بعناية.

وأيضًا القاصَّة “يسرا أحمد خميس” اشتغلت في قصتها ذات العنوان المعبِّر “عش” على ذات التيمة النَّقدية الاجتماعية، وباستعمال وسيلة الإزاحة الزمنية بالتقديم والتأخير في مقطعي القصة، حيث تصف القصةُ الغياب العاطفي، ودورَ الإنترنت في إرواء العطش المحرم “بكلمات كالسحر” بتعبير القصة.

وتحْوي القصة مفارقةً يفطن لها القارئ مع آخر كلمة في النَّص القصصي، وهذا أمر جيد، ويدفع القارئ لمطالعة القصة ليتذوَّقها من جديد. وبالقصة وصفٌ للحال الضدِّي للتأكيد علي مغزي القصة: “.. أمطارٌ تهطل على صحراء الصمت القاحلة فترويها حدَّ الغرق، حدَّ السكر والانتشاء”.

أمّا حضور البيان فيسطعُ في القصص، ويحقِّق مقولة “بول فاليري”: “كلُّ كتابة أدبية هي كتابة شعريَّة،

أيضا مقولة الكاتب القصصي والروائي”محمد جبريل

بتصرف: “تطمح الفنون جميعًا إلى الحالة الموسيقية، فمهمَّةُ السرد تحويلُ الحياة، بزخمها، وبؤسها، وتوتراتها، وروعتها؛ إلى ما يشبه القصيدة، كمَن يستخلص الذهب من المعادن الأخرى”.

وفي ميدان حضور المرأة الساطع بقوَّة في القصص، نجد شجب تقدير المرأة وإدانة تلك النظرة غير المنْصِفة، وغياب تثمين حنانِها المغذّي للعاطفة الأسرية الدافئة، في حدثٍ متخيَّل بقيام مجمع اللغة العربية بإلغاء صيغ التأنيث، ونشوب ثورة نسائية، بقصةجمع مؤنث حالمللقاصة “رغد النابلسي”. والقصة فنتازيَّة رمزية، ذات نهاية موجعة، أعتقد أنَّها لوخز القارئ والتنبيه بالفنِّ لخطر الحلم المنحور. والقصة ذاتُ مقاطع، لوجود فجوة زمنية حقَّقت شحوب المقاومة في نفوس الجيل المثقل بالزمن والهزائم الاجتماعية، في مقابل جيلٍ يرفض الإهانة, ويؤسِّس “أبنية الأحاديث الشاهقة” كما ورد بمجاز القصة.

ولم تغفلِ القصصُ عن أمور معاصرة صعبة، تمسُّ الشباب خاصَّة، ومنها “الطوفان الرقمي”، ومخاطره الجمَّة، خاصَّة في قصة “الثقب الأبيض” للقاص “وائل مكي”، وهي قصةٌ تنتمي إلى إطار “المعلوماتية التربوية” لكنْ بمذاق قصصي موفَّق، مثلت الوالد الشفوق ونباهته، وتشير لسلوكه المحفز للقراء باليقظة لإنقاذ فلذاتِ الأكباد من “الوحل الذي لا فكاكَ منه” بتعبير القصة. كما استعملت القصة المشوقة الوصفَ في رعاية تأزيم الحدثِ القصصي، من حيث تقديم جوِّ الألعاب الإلكترونية الساحرة، وصورًا من العنف والآثار الرقمية الداهمة في “فيديوهات سادية/ وخطوط وألوان كثيرة مرهقة للعين والعقل

ويمكن لنا أن نصفَ مجموعة القصص أنَّها “القصص التي ترغب فينا”، فنجد حضور سمة “التشويق” الفنية، من خلال تقسيم بعضِ القصص إلى مقاطع، والتقديم والتأخير في الزمن السردي “الانزياح الزمني”، والاستهلالات الغامضة المشوقة لبعض القصص، والشروع في قصص بلحظات تهديد وخطر “مطلوب القراء”، واعتماد قصة النتيجة التي ترتد للقصة الخلفية شيئًا فشيئًا.

ومِن نماذج القصص المشوقة بالمجموعة قصةُ التخويف “عودة المأكول”، للقاص “إيهاب وليد زكي”وهو لونٌ محبوب من القرّاء الشباب، خاصَّة لو أحكمت أنحاؤه، فيحبس القراء أنفاسهم للوصول للخاتمة القاسية، كما تحقَّقت بها الاستهلال القصصي بلحظة خطرٍ مفزعة، وهناك ظلٌّ علمي باستثمار أمر طبي, وتوظيفه في القصة.

أمّا حضور البيان فيسطعُ في القصص، ويحقِّق مقولة “بول فاليري”: “كلُّ كتابة أدبية هي كتابة شعريَّة”، وأيضًا مقولة الكاتب القصصي والروائي “محمد جبريل” بتصرف: “تطمح الفنون جميعًا إلى الحالة الموسيقية، فمهمَّةُ السرد تحويلُ الحياة، بزخمها، وبؤسها، وتوتراتها، وروعتها؛ إلى ما يشبه القصيدة، كمَن يستخلص الذهب من المعادن الأخرى”.

وقد حضرَ “المجاز” في قصص كثر بالمجموعة، مثل قصة “أرحام محرمة” للقاص “وفاء حامد”، والتي برعتْ في استهلالها من خلالِ تجهيز وتأسيس سريعٍ لبنية القصة الرئيسة في مفردات ناخزة، في سطرٍ ونصف السطر: “سحب دخان/ طرقات بطشتها قبضة الدمار/ دكّ القنابل/ طفل يلهو بطائرة ورقية”. ثمَّ استعملت القصة الإشباعَ الحروفي للتعبير عن النداء الملتاع لأمومة صارخة: “غياااااااااث”. كما جاء مستوى من التأويل- ما تحت السطر- من خلال اسْم الشخصية الرئيسة في القصة “شام”. أمّا المجاز فمرتكز رئيسٌ في وصف انفعالات الذات القصصية: “فتك التفكير بها/ كلٌّ يرى الحياة بمشاعر على قياس قلبه/ ميلاد شرارة تحوَّلت بعدها لنارٍ التهمت جسديهما في لحظة لتطفح النشوة/ قطعة من الروح” وغيرها من الصور. كما تصف القصةُ قوةَ اللمس الإنساني الدافئ بطريقة عذبة: “كفّ صغير يسع الكون كله في لحظة”. أمّا من الناحية المضمونية فتقفُ القصة على مسار “السيد/ الخادم”، وقضية “تأجير الأرحام” من خلال أحدوثةٍ قائمة على ثالوث ملتهب من الشخصيات البائسة.

أمّا جانب التشكيل الجمالي فأتى في إطار منوَّع من الأشكال الفنية التي تميل أحيانًا لنوع القصة القصيرة جدًّا، بخصائصها التي قالَ بها الدرسُ الأدبي من حيث رعاية لحظات الاشتعال القصصية، وانتخابها لحظات حادَّة في انكسارها، ما بعدها ليس أبدًا مثلَ ما قبلها، وكذا القصص التي تمنح حيوات كاملة، وهي القصة السرمدية التي تستمرُّ في تحقق الحدث بعد انتهاء القصة، أو تلك القصص الدائرية.

ومِن ناحية أخرى, تناصف ضميري السرد “أنا” الذاتي و”هو” المخاطب، أساليب القصص العشرين، بين ساردٍ ذاتي بضمير البوح والإفضاء، أحد معالم ما يعرف بالكتابة الجديدة، وضمير السرد العليم الذي يمثل الشهادةَ والتوثيق. ومن الطريف أيضًا حضورُ قضية الكتابة بذاتها موضوعًا لبعض القصص. ففي قصة “الصفحة البيضاء” للقاص “مازن فاروق”، نجد توصيفَ ما يُعرف بحالة “الاحتباس الفكري”، ونضوب الإبداع، وتقديم الحلِّ الناجع لها، من خلال تجسيد العمل الإبداعي ذاته، وحضوره مناقشًا للمبدع، مصوبًا طريقته في الإبداع خاصَّة، والحياة عامة. كما تصف القصة محنةَ المبدع مع “قاذفي الحجارة كلما أثمرتْ أرضنا الخصبة بالإبداع” بتعبير القصة. استثمرت القصة فكرةً محبوبة للمبدعين بالحنوِّ على كتابات المبدع كالحنوِّ على أبنائه، وهذا قلبُ الحبكة القصصية، وعمودُها الفقري. وإن الأحداث ملخَّصة وسريعة.

أمّا قصة “أنت ذو شارب يا ربيع” للقاص “حسام قنديل”، فتشتغل على ما يعرف بما وراء القص “الميتاقص”، وهو لونٌ من الحكي القائم على تقديم خبايا العملية الإبداعية، وتوصيف مسوداتها أمام القراء، وتطرحُ القصة طريقة طبخِ الوجبة القصصية. وعنوانُ القصة مثالي في جاذبيته, وعدم إفصاحه عن محتوى القصة الحداثية المُمتعة، ويحضر نقد المبدع الذاتي من خلال تخيل شخصية القارئ الأول لمسودات القصص لصديقه السارد الذاتي، وهو بتعبير القصة مثل غراب البيْن يفسد مسار القصة كلما حاولت أن تجد مسارًا تحقق به ذاتها. والقصة ذاتُ مقاطع وعناية بالتفاصيل المشبعة، واللغة، والفكرة المبتكرة، ومستويات القصّ المركبة التى تكسر أفقَ توقع القراء. ومن صور الفكر حول قضية الكتابة ذاتها، تجسيد شخصيات القصص وحضورها الفاعل، فيقول الناقد: “ذابتْ شخصيتك وسطَ أولئك المختلين الذين تجسدهم في قصصك الفاشلة”، ثمَّ يصبح الناقد “الذات الإبداعية المتخفية في القصة” هو نفسُه شخصيةً قصصية غاضبة من مُبْدعها: “أخرجني فورًا من تلك القصة”.

أمّا قصة “ومضى العمر” للقاص “هاني السواح” فتلتقطُ لحظةً من حياة مبدع روائي، توقف عنده الزمن، وتتكرَّر لديه المشاهد عبرَ السنين، فالقصةُ مفتوحة للتأويل ومحاولة تفسير قصدية القاص، وهي من قصصِ الحيوات التي تصف أعمارًا كاملة في لحظاتٍ متشابهة متكررة لها مغزًى. والقصة تقتني منحًى إنسانيًّا عطوفًا مقدرًا في الصلة الأسرية بين الأخ وأخته وبين الخال وابنة شقيقته.

وبعد, فتلك رشفةٌ من رشفات القصص، عمدتْ لضغطها، تحاول رصدَ هذا “المعادل الموضوعي” مجسَّدًا في القصص الشابة، في لغةٍ تناسب مقامَ كلِّ قصة، ورعاية الرَّصد الاجتماعي والفني وواقعية القصص.

 

الاثنين، 17 أكتوبر 2022

 صحف عراقية ورقية تحتفي بمقاربتي مجموعة قصص "دمي وحرائق" للقاص العراقي "عبد شاكر عبود"

         




 دوي الفقد وتجربة الحرب

  "في رؤية قصصية"  


خالد جودة أحمد


تقدم مجموعة قصص "دمي وحرائق" للقاص العراقي/ عبد شاكر عبود، أطلسًا للحزن، وتؤطر حالات الفقد والإغتراب السافر في وطننا العربي الكسير، وإن كانت استمدت جانبًا كبيرًا من مضمونها القصصي من النطاق المحلي الخاص بالوطن العراقي الكريم. لكنها في الحقيقة تجسد أزمة الإنسان في أنحاء الوطن الأكبر من الخليج إلى المحيط.

والقصص تقدم فكرة أن الأدب في رسالتة السامية ليس مقصودًا لراحة القراء وتسليتهم، ولكن لإصابتهم بالقلق والوعي بالوجود، حيث يوسع مداركهم ونطاق مشاعرهم لتلقي صدمات الواقع. ليس صيحة للتشاؤم لكنها صيحة للتبصير بالأخطار، وتحفيز لمكافحة المظالم وسحق الإنسان.

وقد عمد القاص منذ لحظته الأولى في لقاء القراء وطوال السرد في تقديم قاموس لغوي مثير، وصور بيانية راقية صاخبة بالأسي، وجمل قصيرة ناجزة مؤلمة، وتوظيف مكثف لمفردات تنتمي لحقل دلالي سرمدي في عذاباته. فالتنويع في القاموس اللغوي يخبر عن موهبة قصصية متدفقة تستطيع تثمير الحبكة وكسوتها بثوب لغوي معبر.

وهذا الشأن اللغوي وتنويعه الكبير شكل العناوين جميعا، والمتون القصصية كموج هادر، نموذجًا عناوين قصص مثل: "ليل شديد السواد"، "حدائق فارغة"، "قفص"، "آتون"، "دمي وحرائق"، "ضباب ودخان"، "افتقاد"، .... فاللغة مرآة تناظر حالات شتى من التعبير عن مأساة متجددة متلاحقة الأحداث.

لذلك دافعت المفردات أكتاف بعضها البعض في حشد تفاصيل كثر تمنح الإيهام الفني بالواقع، وتجسد حالات فقد الأقرباء والأخوة والأحباب وتغييب وجودهم الملهم للروح، وانتظار عودتهم القاسية. ففي قصة "ربيع غائب .. خريف عائم" انتظار امتد لأكثر من عشرين خريفًا أن يطرق الباب الحبيب الغائب. وحضرت الأشياء تجسم قسوة الانتظار: "قفص للطيور خالي / أدوات حياكة ورسم / سجادة صلاة / صمت مطبق / ...". وعند عودته تحققت المفارقة بالمآل الحزين عبر بوابة حشد الأشياء: "تقاطيع مدمرة / أسنان متساقطة ومصفرة / ..."، وترقي للسخرية الداكنة: "همس لها منكسرَا: مثاء الخير"

والطابع اللغوي المكثف، وحشد التفاصيل الهادرة، ووهج مشاعر شخصيات القصص الحزينة، حقق تقنية قصصية مناسبة للأداء القصص المنهمر وهي "واسطة العقد القصصية"، والتي تعني وضع نقطة ارتكاز للتجميع لعدد من حبات العقد المنظوم "فقرات نصية"، بمعني أن عدد كبير من قصص المجموعة تشتمل تنويعات أو وحدات "حبات العقد"، لكن هناك مرتكز تنتمي إليه هذه الجزئيات. نموذجًا: قصة "مثوي"، حيث تأسس عقد القصة وحباتها المنظومة مجسدة في غرف كثيرة وكبيرة، باردة ومظلمة، تتضام وسط بناء دائري الشكل خرافي التصميم والضخامة. ومرتكز العقد المنظوم "مأساة العراق الكريم" والتى قدمها السرد بتقنية التلخيص في الخاتمة. أما وحدات السرد "الغرف" فشملت: "غرفة خارطة الوطن المحترق / غرفة الصحراء / غرفة الضريح / غرفة مطلة علي جبال شاهقة / ...." وغيرها من تنويعات الخيال الماتعة بالقصة.

واستعمل القاص تقنية أخرى مصاحبة مستمدة من عالم الوسائط الحديثة، وهي تقنية "الارتباط التشعبي"، بالنقر علي عقد نصية تقود لتنويع أو مسار محدد ثم الخروج والعودة للصفحة الرئيسة، وهنا العودة للبناء الضخم الضام للغرف جميعا ليفتح باب غرفة أخرى وهكذا دون توقف. أى نقر رابط معنى تجسده كل غرفة، وعند الدخول تحدث تحولات مرعبة، فغرفة نهر الماء الرقراق جفت كاشفة عن عظام بشرية وبنادق مدماة، وغرفة النخلة السامقة تساقط عليه رؤوس أطفال مذبوحين بدل من الرطب الجني ... وهكذا. حتى تبقي غرفة في خاتمة القصة دون كشف لأن مفتاحها صدئ. ربما بحثا عن الأمل الغائب. وعنوان القصة "مثوى" يساهم فى انتاج دلالة القصة حيث انتهت القصة بمفردتي "الهدوء والسكون" دال المأساة العصية. مع شيوع اللون الأصفر في القصص دال الموت.

وفي قصثة "أبواب وشبابيك" تحضر أيضا "غرفًا من نار ولظي"، وأبطالها يدورا ويعودوا خارج نطاق حقيقة الحياة. وفي قصة "وطء" وصف حافل لتفاصيل المكان، وتنفس التفاصيل بتعبير القصة، واختزان الصور واللقطات. ويمكن بيسر حصد عقود القص المنظومة عبر رحاب القصص جميعا.

والقاموس القصصي العامر بمفردات مخزونة، لم تدع شاردة ولا واردة من عالم الأسي إلا جلبته قدر طاقتها. ليقف القراء على تخوم المأساة العصية بأداء بياني مؤلم، تصحبهم القصص بنفسها في دواخل ذوات إنسانية طحنتها الآلام: "أرواح تئن / إدمان الحرمان / دخان يتصاعد فى أرجاء الروح / القئ جثث بشرية مدماة متناهية الصغر / مزارع مهجورة تسكنها الغربان / المآتم الممتدة / الصور ممحوة الملامح / رجال منطوون يشربون بقايا أرواحهم / صب زيت الروح التى يجللها العذاب..." ويمكن العثور في جميع سطور القصص على شواهد نصية كثر جسدت التوعل داخل أحراش إنسانية معذبة.

أما التجربة الموضوعية المنتجة في القصص والتي شكلت الرؤية القصصية فهى تجربة الحرب المرة، والتى جاءت في عبارة صريحة بمواطن قصصية: "ماذا فعلت الحرب بنا؟!"، وفي عنوان مباشر لقصة "أطفال الحرب". وهذه التجربة أيضًا مؤسسة الحبكات القصصية المنوعة بين الواقع والخيال المجنح أحيانًا، وتدور معظمها حول فكرة الإبدال أو تحقيق "لحظة الإشتعال القصصية" ما بعدها لم يكن أبدًا مثل ما قبلها، نموذجًا القصة العمدة "دمى وحرائق"، حيث "الغياب جمر في القلب ... وغصة في الصدر" بعد تغييب البراءة باختطاف مواطن وأسرته لأنهم من دعاة التغيير: "تذكرني بكل ما هو برئ"، "لماذا اختطفوها وهى من دعاة البراءة والفرح؟"

كما حدث التحول في طبائع سكان القصص حيث تسكن أقفاصها، فتبست أطرافها ولم تعد تدرك الحرية أساشًا وتألف جدران السجون حتى تعشقها، وتلفت لديها ذاكرة الإنسان المكرم، معني جسدته قصة "قفص" في زقاق منسي لمدينة جريحة بتعبير القصة: "مات وحيدًا منسيًا ونسى طيوره فى الأقفاص التى لم تفكر بالتحرر متجاهلة باب القفص المفتوح على سعته". ويحضر ملمح السخرية المدماة في وصف المواطن المتكيف في قصة "أتون" لرجل مسكين من عامة الناس، مسير يصدر له الأمر وينفذه بتعبير القصة: "كن مؤمنا. آمن / كن عاقل. فعل / كن كيسًا. تكيس / ثم نام ..." فخرج من إطار الإنسان إلى نطاق الآلية.

وهناك حبكة شائعة تم خدمتها بتنويعات لغوية قوية كما سبق، وهى غياب جنود الحرب وعذابات أحبابهم، ووحدتهم وصقيع أشيائهم بتعبير القصص، والجوع الممرض لدفء التواصل الإنساني، وافتقادهم المر، والحاجة  للتنفيس والبكاء الصامت. وفى قصة "أوجاع للبيع" أنثي وحر خانق ورغبة محتدمة وصورة رجل ميت. وفى قصة "أرملة" زوجة مواطن شهيد تحيا زمن ثقيل –عادة نجد ساعات القصص مقتولة جامدة العقارب- في ليالى وحشة يعتريها الغثيان واليبوسة. والجفاف في الأطراف ونحر الحيوية صورة تكررت فى أكثر من قصة، نموذجًا قصة "أصابع": "أصابع تغيرت وتنرجست وتغضنت وتيبست وتشققت واخشوشنت وتخشبت واسودت". وتحضر أبرة ثخيبة بيد عجوز في قصة "خيط الذكريات". حتى اليبوسة تصيب الأشياء المبهجة مثل حديقة متيبسة في شد خيط الذكرى.

والقصص نسيج متحد ولكن حضرت قصص اجتماعية لم تجسد تجربة الحرب، وإن قدمت القهر من زوايا أخرى، نموذجًا: قصة "حكاية هاشم وزوجته البدينة" الغضوب العنيفة التى تبطش بزوجها فى صورة من السخرية الموجعة. وقصة "خرخاشة" التربوية من رحاب علم نفس الطفولة، وحضرت الدمية في القصة معادلا موضوعيا حول تلقي الدرس القمعي في الحياة منذ نعومة الأظفار. وهذا التمديد في الكتاب القصصي مع إحتساء القراء موضوع القصص الواخز عبر تلك المكاشفة دون إخفاء أو تجميل للواقع المدمر. جعل التلقي في تقديرى نبيلًا فالقصص معبرة وتسعى أن تحقق الوعى بالواقع الصعب. أرى لذلك تنقيح يسير يؤسسه الإبداع عبر محطات جلب قصص أخرى تعبر وتساند هذا التعبير الجميل بالقصص حول انصهار الأرواح بالأرواح. يلتقط بها القارئ أنفاسه من قصص جسدت ببراعة الواقع المأزوم الأسيف.  

وهناك أضواء بارقة تنبض فى خفوت في ظلمة الواقع ونجمها الراشد "الإبداع": الإبداع برق وامض فى ذاكرة الموت". وفى قصة "مرآة الروح" تحضر لحظة تحفر أعماق الروح التى تشبعت بالخوف والحزن والفقد بتعبير القصة. وفى قصة "السلم" طوق نجاة بالخلاص موتًا فليس الموت خاتمة مفزعة، فكان إرتقاء السلم: "فى السلالم المفضية إلى الآخرة السرمدية، رأى نفسه متحررًا من كل الآلام، شفافًا، مرتديًا بياضًا ناصعًا" وهو ينثر قصائده: "مرتقيًا سلمًا نورانيًا أنشئ من كلمات"

وإذا كانت المقاربة للنصوص عامة تشير لثيمات مبررة فنية وموضوعية في أنحائها، ولا غنى لها عن سرد شواهد نصية دالة على أفكارها المركزية التى لمحتها في الأداء الأدبي. لكنها تكتفى بالإشارة دون الإسهاب المطول. ليصحب القارئ النصوص بذاته ويرى أن الرؤية التى شكلت جيل اكتوى بنار الحرب تبحث دائما عن التعبير الفني المكافئ لظلال هذه التجربة المرعبة في الوطن العراقي الحبيب. وأرى أن قصص "دمى وحرائق" الواخزة هى تجربة قصصية مهمة لا شك تبصر العروبة بمأساتها وتدعو للوطن بخلاص قد لا يلوح لكنها تريده. فقدمت القصص محاولة موفقة رغم طنين الدوى المجهد للروح. واستعانت بروح قاموس لغوي كثيف وتجسيد لحظات إبدال قصصي ومفارقة وأسي مرير.