الثلاثاء، 25 أكتوبر 2022

 

فنُّ حياكة القصَّة القصيرةِ الشَّبابية المعاصرة

مراجعة نقدية للدكتور خالد جودة أحمد

للمجموعة القصصية حزمة نعناع




نبتَتْ فكرةُ “الإصدارات الإبداعية المجمِّعة” بقوةٍ كأحدِ وجوه الظاهرة الثقافية الحديثة الكلية، منذ مَطالع تسعينيّات القرن العشرين، تلك التجلياتُ الثقافية الكثيرة التي تأسَّست فوقَ كاهل الأجيال الشابة الجديدة، تعبِّر عن رؤاها، وتصفُ تعاطيها الفكري والنَّفسي مع الذات والمجتمع المصري المتغير في آن.

والكتابُ القصصي الماثلُ بين أيدي القرّاء آنيًا أحدُ جواهر تلك الظّاهرة المهمَّة، كما تمثل وجوهًا أخرى معبِّرة من تلك الظاهرة الشاملة:

أوَّلًا: أنها تأسَّست عبرَ الوسيط الإلكتروني الذي يُتقن التعاطي معه, ويؤثِّر من خلاله بقوة الكتاب الشباب.

كما يتضح مع القراءة الأولى للمجموعة القصصية أنَّها بأقلام مجموعةٍ من كتّاب القصة القصيرة المتحقِّقين فنيًّا بدرجة جيدة، وأنَّه جرى استعمالُ تقنيات قصصية موفقة.

ثانيًا: أنَّها نبعتْ من خلال مسابقة دار “إشراقة”، والتي اقتنتْ إستراتيجية مَقولتها المعلنة “نبحث عن المُختلف لنصنعَ الفارق”، فهناك منهجيَّة مُستقاة من فكرٍ إبداعي لا يكرِّر ذاته، ومؤثر أيضًا في نتائجه الفارقة، في انتخاب الأعمال للنَّشر من خلال الدار.

ثالثًا: أنه قامَ بالتَّباري في ساحة المسابقة، والقائمين بالتحكيم أيضًا كتّاب ونقادُ القصَّة في مجموعتين أدبيَّتين شابَّتين, ذات أثر وتحقُّق أدبي لافت في الفضاء الافتراضي؛ جماعتَا “الكتابة وأهلها” و”أسرار الكتب”.

وكانتِ الثمرة أنَّ القصص جاءت مُنتخبة بعناية، محقِّقة لطُعومٍ منوَّعة في فنِّ القصة القصيرة المُعاصرة، كما تحملُ دوالَّ موضوعيةً معاصرة ومؤثرة، تحمل همومًا واقعية وشبابيَّة كثر. كما يتضح مع القراءة الأولى للمجموعة القصصية أنَّها بأقلام مجموعةٍ من كتّاب القصة القصيرة المتحقِّقين فنيًّا بدرجة جيدة، وأنَّه جرى استعمالُ تقنيات قصصية موفقة.

وتنوَّعت أنسجةُ القصِّ في رعاية الثنائية التليدة الجديدة في آنٍ واحد “الشكل/ المضمون”. يقول الروائي والناقدُ البريطاني “هنري جميس”: “إنَّ الفكرة والشكلَ هما الإبرة والخيط، ولم أسمعْ بعدُ عن نقابة للقمّاشين أوصتْ باستعمال الخيط دونَ الأبرة”، ونبحثُ الوجهين معًا طبقًا لسياق الإبداع ذاته، أي من داخل النصوص القصصية، ليمنح النصَّ عطاياه للقارئ الذائق.

التيمةُ الموضوعية الأولى في ظلال القصص هذا الاحتفاء بمقولةٍ قصصية نابهة تؤتي أكلَها كلَّ حين، وصالحة للتَّطبيق عندما تلتقي بفنِّ القصة الدقيق، وهي مقولة أنَّ القصة القصيرة صوت المسحوقين والمظلومين، وأنَّها عزفٌ على أوتار القلق الاجتماعي والتوتر النفسي، وأنَّها تمثل صوتَ الطبقة الوسطي المنْحولة في المجتمع.

عبَّرَ عن هذه التيمة قصَّة “السيد” للقاصة “رشا فوزي”، من أدب الجائحة، حيث “إلهاب الأرواح بالأسئلة” بمَجاز القصة، فتصفُ الأسى والمرار في معالم المفارقة بين الطبقات الاجتماعية، لكنْ ليس من منظور “النَّحر الطبقي” و”الحقد الاجتماعي” الذميم، بل من خلال وعي يحفز إلى تكافل الطبقات الاجتماعية, ولقائها الإنساني الكريم، سفين النجاة في واقعنا البئيس، تجلَّى هذا في موقف الطبيب الإنسان “إياد”، كما تجلَّى بذكاءٍ خاصّ من القصة الماتعة في موقف جامع القمامة النبيل “إبراهيم” والد “سيد”، بعبارته الموفقة “إحنا أسباب لبعض يا بني”، مع تقدير للأسرة المكافحة البسيطة، عمّ “إبراهيم” “الملك المتوَّج على كنبة مهترئة تتصدَّر الساحة”، والأمُّ التي تبرم في البيت كالنحلة. وأكد مسارَ القصة خاتمتُها، وصحيح أنَّ جزءها الأخير شارحٌ توثيقي، لكنْ جبر هذا تلك العبارة المضيئة للقصة التي تحمل سماتِ الواقع لكنَّها تبشِّر بالأمل وتدفع نحوَ الفعل الإنساني الكريم: “.. تطلع للسماء بعينيْن باسمتين شاعرًا بهاءها رغمَ وجهها حالك السواد”.

أمَّا قصة “الغاز السري” فتطرقُ بابَ “الهامش” الاجتماعي بوسيلة الفانتازيا الساخرة من لون “الضَّحك الداكن”، حيث تصف مواضعاتٍ إدارية مُهلكة يتعرَّض لها أبطال القصة من سكان المقابر، مع التَّعميم، حيث تقع أحداثُ القصة “في مدينة مغمورة في بلدٍ مجهولة في العالم الثالث”. مع استعمال أسماء طريفة للشَّخصيات القصصية والأشياء، خاصَّة اسم الغاز السري الذي يمثل لبَّ القصة وعطاءها الساخر المرّ “غاز الطعمية البايتة”، والتي شكَّلت المعادلَ الموضوعي- سرّ قوة القصة- لملمح السخرية الرئيس بالقصَّة الذي يصف مرضَ الفيل الحكومي، ويجسد سلوكَ الإهمال والبرود الوظيفي المهين.. كما تصف القصَّة “الهامش” وصفًا خارجيًّا معبِّرًا: “أمواج بشرية تنضحُ فيها الوجوه بالأسى واليأس”، وتكرر الوصف الخارجي في أكثر من موطنٍ بما يمنح الإيهام بالواقع.

أمّا قصَّةسيزيف آخرللقاص “علي راشد”، فتقدِّم الواقع الكابوسي مجسَّدًا من خلال تصور خيالي محلِّق، حيث يحضر التنمُّر الجماعي في ظلِّ نحتِ أسطورةٍ هندية مخوفة، لعقيدة مُرعبة. ويستعمل تكرار المُفردة وسيلة لأداء القصَّة الفني العجائبي، فعنِ الابنة الرقيقة! والأمّ والابن وهم يتَّجهون في قسوة لجسد الأب المسجَّى الواعي بدون قدرةٍ علي الحراك، وهُم يحملون أطباقًا وملاعقَ وأشواكًا وسكاكين، و”في عيونهم علامات اشتهاء لجيفة طازجة” بتعبير القصة: “يتوجهون إلى.. خطواتهم ثقيلة.. أنفاسهم ثقيلة.. نظراتهم ثقيلة.. خوارهم ثقيل”. والتكرارُ ظاهرة أسلوبيَّة مستقرَّة في القصة سواء في المفردات أو التعبيرات أو حتَّى في استهلال القصَّة بعلامة موازية عن الحلم داخلَ الحلم لإدرجار آلان بو، والتي كررها في خاتمة القصة! حتَّى فعل “سيزيف”- وهو حاضرٌ في العنوان فقط- هو فعلٌ مكرر. لكنَّ القصة وظفت تقنية الحلم المُزعج بشكلٍ مثير، كما راوحتْ ذهابًا وإيابًا بين الحلم واليقظة. كما أنَّ القصة استعملت علامات الترقيم “ثروة القصة القصيرة” بطريقة جيدة.

وفي قصةاستحواذللقاص “أحمد حمزة” نجد شخصيةَ الأبله الحكيم المعروفة في الأدب، ومُفردات القصة موظَّفة لصالح طقسها النَّفسي الشائك، فنجد الطريقَ الموحش، والطقسَ البارد، وشحوب الشمس بالغروب، و”مطارق الجليد تطرقُ أوصالي وعظامي وكلَّ مسامي”. وعلى مستوى الشخصية القصصيَّة يحضر الكائنُ المرعب المهيْمن “بعيون آمرة قاسية كالذئب السجين”. وهي قصةُ نتيجة؛ أي تبدأ من زمنٍ متأخر, ثمَّ ترتدُّ للماضي لتصفَ الجذور اليابسة للواقع الاستهلالي المر، لتصفَ القصة معالم “العلم الآسن”، عساها تدفع قارئها للفعل لتغييره.

أمّا قصَّةصانع الأحزان الضاحكةللقاص “محمد سعدي”، فتقدِّم المفارقات الطريفة المبكية في آن، وتستعمل ذاتَ التقنية لوصف حالِ شعبنا العريق في مهنة “صناعة الأحزان”، وفي المفردات الضدية أيضًا، نموذجا: “المدافن الثرية والعشب اليابس”. وتتداعى معاني القصة في ذات إطار الأمثولة، فتنسال الصور: “والله إنَّني لأصنع الحزن صناعةً محكمة، يقسم المبتاع بجودتها وهو يمصمص شفتيه/ حبكات وتسويق الأحزان/… إلى آخره”. ومسارُ السخرية الداكنة يرسم معالمَ النَّحر الاجتماعي العميمة “فيجلدون ذكرى الفقيد على قليل سروره”، فعمودُ الحبكة القصصية تلك المسرَّة النادرة كالعقيق جريمة تستوجب اللوم والغضب.

أمّا قصَّةعرسللقاصة “دعاء العسقلاني” فتبدأ القصةُ من لحظة خطرةٍ وهذا جيد، ثمَّ تستأنف في مسار بوليسي يدور حولَ أدب “مَن فعلها؟”، وتطرح القصة موقفَ النخبة مجسَّدة في موقف فتى المكتبة “مثقف الحي” ودوره في الحدثِ القصصي المتكرر. كما تطرح القصةُ قضية “الفقر” ودوره في تدمير الحيوات الشابة الناهضة.

أمّا قصَّةأحلام سماويةللقاص “محمد وفائي” فقد سلكت مسلكًا غيرَ مباشرٍ للتعبير عن الواقع الاجتماعي من خلال حبكة قائمة علي تقديم مسرة نفسية نادرة كبيضة الديك كما يقال لبطل الحدث القصصي، صاحب الأرجوحة، الطائر بها في سعادةٍ لن تتكرر، وتلك مفارقة مُحزنة، رغم السعادة النابتة بمفردات القصة الموفقة.

أمّا القصَّة المشوقةأحلام قرية العصافيرللقاص “محمد الشافعي”، فتقدِّم حكْيًا أسطوريًّا متخيَّلًا، في شكل حواري مُحكم قصصيًّا؛ أي ذو بداية وذروة وتنوير، والحكاية قلبُ القصة حاضرةٌ في حبكة متسلسلة, لها ظلٌّ بيئي، وتطبيق فكرة الإنسان الجاني والضحية، وتعاطي السلطات وتأثيرها في شعبها، لذلك جاءت الخاتمةُ ساخرةً معبِّرة، تكشف الزيفَ والخداع، وتمتِّع القارئ. والقصة ثمَّنت روح ودور الشاب وتفكيره العقلاني المنطقي، وصدحَه في براءة وقوة بما يراه صائبًا في ظلال موروثات اجتماعية مهلكة قائمة على الإذعان والخمول.

أيضًا من معالم القصص الموضوعية طرحُ التنمُّر الاجتماعي، ودواهي التصحر العاطفي في رحابِ الأسرة المصرية، وشحوب تقدير المرأة ودورها الكريم الباني في الحياة، وعبَّرت قصةقبل الشروقللقاص “سهير عسكر” عن محنةِ بطلة القصة من ذواتِ الهمم التي تلقى النكرانَ من إخوتها من الأبِ وزوجة أبيها “ذات الحاجبين المنمَّقين بشكل مُخز” بتعبير القصة، ومِن عمتها الطامعة “شبيهة الزومبي”، وبلغت المأساةُ ذروتها بفقد الثقة، حتَّى ترتجف “الخرساء” بطلةُ القصة من لمسةِ حنان كذوب، وتمضي القصةُ في خطِّها الحكائي المرسوم “تطرق أبوابًا من الألم” بتعبير القصة، لكن مدى القصة الزمني، وأحداثها الكثُر ترشِّحها لما يُعرف في النقد الأدبي بالتَّنامي السردي، فهي نواة رواية، أو بالأحرى دراما مُلتفزة.

وفي قصَّة ثانيةألوان الكهفللقاص “علا محمود” يحضر التنمُّر الأسري والاجتماعي أيضًا، ومفارقة التَّقدير بين الجوهر والمظهر، حيث تحتفي القصةُ الرشيقة بالنبل الداخلي، وتجسده في وظيفة فنتازيَّة بلاغية من خلال مُعادل “الألوان” المُبهجة في الكهف الساحر، تصف النجمة الزائرة مانحة الألوان: “نجمة ذهبية لها ذيلٌ يلمع بقطع الألماس.. يخطف القلب.. ويشعر بالسعادة.. في عالم ساحر من الأحلام” كما تصفُ تعبيرات القصة. والقصةُ تقدِّم فكرة “الطبّ بالفن”، ويفصح ضمير القصة الهامس في تقديري عنْ كون الإبداع جميلًا. وصحيحٌ أنَّ القصة الدائرية تجسِّد الفكرة المعنوية في صورة مغامرة، لكن أيضًا هناك تداعٍ في خاتمة القصَّة, خاصَّة مِن خلال الفتنة بمحور القصة، ممّا أثَّر شيئًا ما في بهاء القصة.

وكان حضورُ التنمُّر الأسري في ثوبٍ آخر شارحًا بطريقة فنيةٍ حول التصحر العاطفي في الأسرة المصرية، ففي القصة العذْبة ذات المُعادل الموضوعي الجيد، والذي جاء في ثريا القصَّة وعنوانها “حزمة النعناع”، نجد على مستوى الأفكار حضورَ قضية اجتماعية خطيرة، وهي قضية المرأة المَعيلة، والذكور-اللارجال- أو بتعبير القصَّة الموفق “الخنازير البشرية” الذين يتنصَّلون من واجبهم الرجولي. هنا المرأة المَعيلة ومُعادلها “النعناع”، ذات الوصف الخارجي الموظف بذكاء في القصة: “ذات جمال أخَّاذ توارَى خلفَ ستائر من الإهمال والفقر والمعاناة”. وتقوم حبكةُ القصة الجيدة على استبطان نفسي بارع في تحليل شخصية المرأة “النعناع” الصّابرة من أجل أبنائها، “القارئة للمواقف والبشر” فتقول عن ذكرها النذل “صاحب القلب الطيب”، ثمَّ تغضبُ من السائق محبِّ سيارته والسارد في القصة لأنه يشكل خطرًا على سلامها النفسي.

ويحضر التصحُّرُ العاطفي الأسري المميت أيضًا في قصة ذات مغزًى، وتحقق معادلها الموضوعي أيضًا في العنوانقهوة باردة جدًّاللقاصة “نادية الهواري”، من خلال امرأة “شجرة سنديان”، وفي تداعي: “أي ريح استطاعت أن تهزَّ جذع أمّه”؛ حيث الطفل يفطنُ لهزائم أمِّه النفسية، فتحمله أمُّه كمن يحمل كفنه. وتشتغل القصةُ بفطنة حولَ المجاز المعبِّر عن المأساة: “زوجها نصفها المنقوص/ الرجل الخفاش/ حاولت كثيرًا أن تتمدَّد بين جلده والعظم خاسرة”، وفي تماثل سرْدي مجازي: “تتثاءب الشمس متعبة”.

وإذا كانت الروائية “إيزابيل الليندي” شهرزاد السَّرد اللاتينية، قد عبَّرت في مواطن كثر عن كون فنِّ القصة القصيرة صعب، وأنَّها تفضِّل عن كتابتها كثيرًا كتابةَ الرواية رغم جهدها، وصبرها، ووقتها الجهيد، فقد أعلنت أيضًا أنَّها تحب قوةَ القصة القصيرة في التعبير، ووصفتها: “ق.ق سهمٌ لا يحقُّ للكاتب أن يرميه إلّا رمية واحدة، عليه أن يختار الاتجاهَ الصحيح والسرعة الصحيحة، وعليه أن يشدَّ القوس بقوة مُناسبة. في القصة القصيرة أنتَ لا تملك الوقت ولا المكانَ لارتكاب الخطأ، كلُّ الأخطاء تظهر”.

وقصة “قهوة باردة جدًّا” تُحقِّق هذا الوصف، فهي قصةٌ منسوجة برشاقةٍ في إطار قصصي محدود وموفَّق، كلُّ مُفردة منتخبة بعناية.

وأيضًا القاصَّة “يسرا أحمد خميس” اشتغلت في قصتها ذات العنوان المعبِّر “عش” على ذات التيمة النَّقدية الاجتماعية، وباستعمال وسيلة الإزاحة الزمنية بالتقديم والتأخير في مقطعي القصة، حيث تصف القصةُ الغياب العاطفي، ودورَ الإنترنت في إرواء العطش المحرم “بكلمات كالسحر” بتعبير القصة.

وتحْوي القصة مفارقةً يفطن لها القارئ مع آخر كلمة في النَّص القصصي، وهذا أمر جيد، ويدفع القارئ لمطالعة القصة ليتذوَّقها من جديد. وبالقصة وصفٌ للحال الضدِّي للتأكيد علي مغزي القصة: “.. أمطارٌ تهطل على صحراء الصمت القاحلة فترويها حدَّ الغرق، حدَّ السكر والانتشاء”.

أمّا حضور البيان فيسطعُ في القصص، ويحقِّق مقولة “بول فاليري”: “كلُّ كتابة أدبية هي كتابة شعريَّة،

أيضا مقولة الكاتب القصصي والروائي”محمد جبريل

بتصرف: “تطمح الفنون جميعًا إلى الحالة الموسيقية، فمهمَّةُ السرد تحويلُ الحياة، بزخمها، وبؤسها، وتوتراتها، وروعتها؛ إلى ما يشبه القصيدة، كمَن يستخلص الذهب من المعادن الأخرى”.

وفي ميدان حضور المرأة الساطع بقوَّة في القصص، نجد شجب تقدير المرأة وإدانة تلك النظرة غير المنْصِفة، وغياب تثمين حنانِها المغذّي للعاطفة الأسرية الدافئة، في حدثٍ متخيَّل بقيام مجمع اللغة العربية بإلغاء صيغ التأنيث، ونشوب ثورة نسائية، بقصةجمع مؤنث حالمللقاصة “رغد النابلسي”. والقصة فنتازيَّة رمزية، ذات نهاية موجعة، أعتقد أنَّها لوخز القارئ والتنبيه بالفنِّ لخطر الحلم المنحور. والقصة ذاتُ مقاطع، لوجود فجوة زمنية حقَّقت شحوب المقاومة في نفوس الجيل المثقل بالزمن والهزائم الاجتماعية، في مقابل جيلٍ يرفض الإهانة, ويؤسِّس “أبنية الأحاديث الشاهقة” كما ورد بمجاز القصة.

ولم تغفلِ القصصُ عن أمور معاصرة صعبة، تمسُّ الشباب خاصَّة، ومنها “الطوفان الرقمي”، ومخاطره الجمَّة، خاصَّة في قصة “الثقب الأبيض” للقاص “وائل مكي”، وهي قصةٌ تنتمي إلى إطار “المعلوماتية التربوية” لكنْ بمذاق قصصي موفَّق، مثلت الوالد الشفوق ونباهته، وتشير لسلوكه المحفز للقراء باليقظة لإنقاذ فلذاتِ الأكباد من “الوحل الذي لا فكاكَ منه” بتعبير القصة. كما استعملت القصة المشوقة الوصفَ في رعاية تأزيم الحدثِ القصصي، من حيث تقديم جوِّ الألعاب الإلكترونية الساحرة، وصورًا من العنف والآثار الرقمية الداهمة في “فيديوهات سادية/ وخطوط وألوان كثيرة مرهقة للعين والعقل

ويمكن لنا أن نصفَ مجموعة القصص أنَّها “القصص التي ترغب فينا”، فنجد حضور سمة “التشويق” الفنية، من خلال تقسيم بعضِ القصص إلى مقاطع، والتقديم والتأخير في الزمن السردي “الانزياح الزمني”، والاستهلالات الغامضة المشوقة لبعض القصص، والشروع في قصص بلحظات تهديد وخطر “مطلوب القراء”، واعتماد قصة النتيجة التي ترتد للقصة الخلفية شيئًا فشيئًا.

ومِن نماذج القصص المشوقة بالمجموعة قصةُ التخويف “عودة المأكول”، للقاص “إيهاب وليد زكي”وهو لونٌ محبوب من القرّاء الشباب، خاصَّة لو أحكمت أنحاؤه، فيحبس القراء أنفاسهم للوصول للخاتمة القاسية، كما تحقَّقت بها الاستهلال القصصي بلحظة خطرٍ مفزعة، وهناك ظلٌّ علمي باستثمار أمر طبي, وتوظيفه في القصة.

أمّا حضور البيان فيسطعُ في القصص، ويحقِّق مقولة “بول فاليري”: “كلُّ كتابة أدبية هي كتابة شعريَّة”، وأيضًا مقولة الكاتب القصصي والروائي “محمد جبريل” بتصرف: “تطمح الفنون جميعًا إلى الحالة الموسيقية، فمهمَّةُ السرد تحويلُ الحياة، بزخمها، وبؤسها، وتوتراتها، وروعتها؛ إلى ما يشبه القصيدة، كمَن يستخلص الذهب من المعادن الأخرى”.

وقد حضرَ “المجاز” في قصص كثر بالمجموعة، مثل قصة “أرحام محرمة” للقاص “وفاء حامد”، والتي برعتْ في استهلالها من خلالِ تجهيز وتأسيس سريعٍ لبنية القصة الرئيسة في مفردات ناخزة، في سطرٍ ونصف السطر: “سحب دخان/ طرقات بطشتها قبضة الدمار/ دكّ القنابل/ طفل يلهو بطائرة ورقية”. ثمَّ استعملت القصة الإشباعَ الحروفي للتعبير عن النداء الملتاع لأمومة صارخة: “غياااااااااث”. كما جاء مستوى من التأويل- ما تحت السطر- من خلال اسْم الشخصية الرئيسة في القصة “شام”. أمّا المجاز فمرتكز رئيسٌ في وصف انفعالات الذات القصصية: “فتك التفكير بها/ كلٌّ يرى الحياة بمشاعر على قياس قلبه/ ميلاد شرارة تحوَّلت بعدها لنارٍ التهمت جسديهما في لحظة لتطفح النشوة/ قطعة من الروح” وغيرها من الصور. كما تصف القصةُ قوةَ اللمس الإنساني الدافئ بطريقة عذبة: “كفّ صغير يسع الكون كله في لحظة”. أمّا من الناحية المضمونية فتقفُ القصة على مسار “السيد/ الخادم”، وقضية “تأجير الأرحام” من خلال أحدوثةٍ قائمة على ثالوث ملتهب من الشخصيات البائسة.

أمّا جانب التشكيل الجمالي فأتى في إطار منوَّع من الأشكال الفنية التي تميل أحيانًا لنوع القصة القصيرة جدًّا، بخصائصها التي قالَ بها الدرسُ الأدبي من حيث رعاية لحظات الاشتعال القصصية، وانتخابها لحظات حادَّة في انكسارها، ما بعدها ليس أبدًا مثلَ ما قبلها، وكذا القصص التي تمنح حيوات كاملة، وهي القصة السرمدية التي تستمرُّ في تحقق الحدث بعد انتهاء القصة، أو تلك القصص الدائرية.

ومِن ناحية أخرى, تناصف ضميري السرد “أنا” الذاتي و”هو” المخاطب، أساليب القصص العشرين، بين ساردٍ ذاتي بضمير البوح والإفضاء، أحد معالم ما يعرف بالكتابة الجديدة، وضمير السرد العليم الذي يمثل الشهادةَ والتوثيق. ومن الطريف أيضًا حضورُ قضية الكتابة بذاتها موضوعًا لبعض القصص. ففي قصة “الصفحة البيضاء” للقاص “مازن فاروق”، نجد توصيفَ ما يُعرف بحالة “الاحتباس الفكري”، ونضوب الإبداع، وتقديم الحلِّ الناجع لها، من خلال تجسيد العمل الإبداعي ذاته، وحضوره مناقشًا للمبدع، مصوبًا طريقته في الإبداع خاصَّة، والحياة عامة. كما تصف القصة محنةَ المبدع مع “قاذفي الحجارة كلما أثمرتْ أرضنا الخصبة بالإبداع” بتعبير القصة. استثمرت القصة فكرةً محبوبة للمبدعين بالحنوِّ على كتابات المبدع كالحنوِّ على أبنائه، وهذا قلبُ الحبكة القصصية، وعمودُها الفقري. وإن الأحداث ملخَّصة وسريعة.

أمّا قصة “أنت ذو شارب يا ربيع” للقاص “حسام قنديل”، فتشتغل على ما يعرف بما وراء القص “الميتاقص”، وهو لونٌ من الحكي القائم على تقديم خبايا العملية الإبداعية، وتوصيف مسوداتها أمام القراء، وتطرحُ القصة طريقة طبخِ الوجبة القصصية. وعنوانُ القصة مثالي في جاذبيته, وعدم إفصاحه عن محتوى القصة الحداثية المُمتعة، ويحضر نقد المبدع الذاتي من خلال تخيل شخصية القارئ الأول لمسودات القصص لصديقه السارد الذاتي، وهو بتعبير القصة مثل غراب البيْن يفسد مسار القصة كلما حاولت أن تجد مسارًا تحقق به ذاتها. والقصة ذاتُ مقاطع وعناية بالتفاصيل المشبعة، واللغة، والفكرة المبتكرة، ومستويات القصّ المركبة التى تكسر أفقَ توقع القراء. ومن صور الفكر حول قضية الكتابة ذاتها، تجسيد شخصيات القصص وحضورها الفاعل، فيقول الناقد: “ذابتْ شخصيتك وسطَ أولئك المختلين الذين تجسدهم في قصصك الفاشلة”، ثمَّ يصبح الناقد “الذات الإبداعية المتخفية في القصة” هو نفسُه شخصيةً قصصية غاضبة من مُبْدعها: “أخرجني فورًا من تلك القصة”.

أمّا قصة “ومضى العمر” للقاص “هاني السواح” فتلتقطُ لحظةً من حياة مبدع روائي، توقف عنده الزمن، وتتكرَّر لديه المشاهد عبرَ السنين، فالقصةُ مفتوحة للتأويل ومحاولة تفسير قصدية القاص، وهي من قصصِ الحيوات التي تصف أعمارًا كاملة في لحظاتٍ متشابهة متكررة لها مغزًى. والقصة تقتني منحًى إنسانيًّا عطوفًا مقدرًا في الصلة الأسرية بين الأخ وأخته وبين الخال وابنة شقيقته.

وبعد, فتلك رشفةٌ من رشفات القصص، عمدتْ لضغطها، تحاول رصدَ هذا “المعادل الموضوعي” مجسَّدًا في القصص الشابة، في لغةٍ تناسب مقامَ كلِّ قصة، ورعاية الرَّصد الاجتماعي والفني وواقعية القصص.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق