الثلاثاء، 1 يونيو 2010

قراءات في قاموس الغضب - كلمة لا في الأدب العربي


تدخل كلمة " لا " حياة الأدب العربي في إطار آداب المقاومة ، خاصة إذا استشعرها الكاتب وعاشت بروحه وبذل من أجلها ، فقالها عملا كما كتبها أدبا ، ويكفي تلك الكلمة من شرف أنها ترفع قائلها إلي مصاف الشهداء الأبرار ، فكيف إذن عبر عنها الأدباء في آثارهم الأدبية ؟ ، نختار بعض النماذج : ففي المجال الروائي هناك رواية " لا " وهو أقصر عنوان لرواية عربية للكاتب الصحفي مصطفي أمين ، فإذا كانت الرواية والتي استغرقت قرابة الألف صفحة قالت لنا : أن كلمة " لا " هي أغلي كلمة في اللغة العربية وأنها قد تكلف قائلها حياته ، لكنها كلمة تشعر الإنسان بآدميته ، وتفجر بداخله براكين الغضب ، وتحقق الإنسانية في أوسع معانيها ، وقالت أيضا أن كلمة " لا " وحدها لا تكفي بل يجب أن نجعل من هذا الحرف " لا " مصارعا يصارع ، ومحاربا يحارب ، ومجاهد يجاهد .. فالذي يكتفي بقول " لا " ولا يتحرك كأنه يتثاءب استعدادا للنوم ، وهناك " لا " أيضا في النص الشهير بقصيدة الشاعر الراحل أمل دنقل ( كلمات إسبارتاكوس الأخيرة ) :
من قال " لا " في وجه من قالوا " نعم "
من علم الإنسان تمزيق العدم
من قال " لا " فلم يمت ،
وظل روحا عبقرية الألم
وقال أيضا لا تصالح ( أي لا تهادن عدوك )
لا تصالح
ولو منحوك الذهب
أتري حين أفقأ عينيك ؟
ثم أثبت جوهرتين مكانهما
هل تري .. ؟!
أما الأديب مصطفي صادق الرافعي فيقول : " قد يكون قول " لا " معركة " . ومن طريف تصويره تشبيهه لكلمة " لا " بأنها عقدة حبل المشنقة " وهو صادق في تصويره فلا مشنقة للثائر بداية وللظالم أخيرا ، ( لأن من يقول " لا " لا يرتوي إلا من الدموع ) كما قال الشاعر ، هذا عن الشعر والرواية ، أما في مجال القصة القصيرة نري كيف يصوغ فن الحكى قيم حرف " لا " والذي هو مشنقة الظالمين وأغلي الحروف ورداء الكرامة والحياة ، فالقاص الصحفي أسامة قرمان لم يقل " لا " واحدة بل قال مجموعة من اللاءات ، في مجموعته القصصية المعنونة " لاءات " ، وهكذا يعبر الأدباء عن عشرات المواقف التي تدور حول من قالوا " لا " في أركان كثيرة من الحياة ، لكن من يقول " لا " يجب أن يقولها فعلا كما قالها أدبا ، بالتالي لا يسقط الحرف أجزم عند انفصال القول عن الفعل ، ويكفي أن نقرأ هذا النص للقاص أسامة قرمان أيضا يعبر به عن حال حملة الأقلام ممن قالوا " لا " : " أحيانا تنتابنا حالة من الإحباط ،والإحساس بأننا نؤذن في مالطة ، أو ننفخ في قربة مقطوعة كما يقول المثل !! لكن مشاعر الغضب لا تلبث أن تعود ، ولا نجد و سيلة للتعبير أجدى من الكتابة..إنها سبيلنا للتعبير ، ولعلها تكون أيضا وسيلتنا للتغيير ! ليس معنى ذلك الاكتفاء بالكلام ،والاستغناء عن العمل أو التحرك الإيجابي ،وإنما أقصد أننا معشر الكتاب أو حملة الأقلام لا نصبر على البعد عن الكتابة طويلا إنه إدمان مشروع " ، بالتالي للأدب وظيفته الاجتماعية ، بحيث يجب أن يكون رافضا لهذا الواقع كما قال أيضا أحد الشعراء : " فالشعر – ويسري الأمر علي سائر الأعمال الأدبية - يجب أن يكون رافضا للواقع دائما حتى ولو كان هذا الواقع جيدا ، لأنه يحلم بواقع أفضل منه فالشاعر يريد دائما أن يحول الواقع إلي حلم والحلم إلي واقع " ، والكاتب في هذا يستخدم وسائله الفنية ومن أهمها أن نتذوق معه طعوما مختلفة لحرف " لا " ، فالأديب يطلق " لا " ويجهر بها في وجه العيوب والنقائص والأزمات والطغاة ، فعبر مساحة أدبه يجب أن نجد تلك ال " لا " بطعومها المختلفة لتواجه مشكلات ومصائب الداخل والخارج وتتناول هموما وطنية ودولية ، وليس الأدب مطالبا هنا سوي بتلك الصيحات والتبشير بمواصلة طريق الكفاح حتى يتبدل الزمن ويتم تأسيس تحريكا جديدا للواقع الاجتماعي ، والنهوض بالوطن الجريح ، فيقول الأديب " لا " لمن يذبحون هويتنا ويريقون دماء ثقافتنا علي أعتاب مذبح العولمة واستعلاء الأقوياء بالقوة والجبروت ، ويقول " لا " للقبح واللاقيمة والفراغ والملل واللاهدف بشتي أنواعه ، ومن تلك التنويعات أيضا دعوة الأديب لقول " لا " إلي الداخل قبل الخارج ، فكل " لا " لها مذاق مختلف ، صحيح أنها جميعا تستوجب سداد الثمن ، والتضحية من أجلها باعتبارها أغلي الحروف ، لكن لكل منها شخصيتها المميزة والمؤثرة .
والأدب في تعبيره ذاك عن " لا " يجسد واقعنا الوطني والعربي المر وتصف ما وصلت إليه الأحوال من انهيار وأسي ومهانة ، وأيضا رصد النهوض من الكبوة الشاملة وتحرير الإرادة والروح ، أي يقتني مفهوما في غاية الأهمية وهو " المقاومة بالفعل " ، والحركة وتحقيق الإيجابية ، فالأديب يقول لنا اغضبوا وإمتلئوا بالغضب والأسى ، أياكم أن تستكين أرواحكم فتمضغوا الملالة والمهانة حتى الثمالة ، فهذا هو سبيل التحول المنشود ، وتلك الكتابة تشكل نسقا متحدا يشرح الواقع فنيا ويعالجه أيضا بوسائل فنية ، ليس أدبا مخدرا وليس قاتما في الوقت ذاته .
وهنا يمكن لنا أن نرصد أدب مطمئنين أدب قول " لا " ضمن منظومة " ثقافة المقاومة " ولكن بمفهوم تلك الثقافة الغير مباشر بمعني أن أدب المقاومة ليس رفعا لشعارات وطنية صاخبة ولكنه الإشارة إلي ما في الأدب من مقاومة لكل قوي القهر والقمع ، فأهم مسارات المقاومة أدبيا إلا يكون أدبا خطابيا وعظيا إنما الأدب الذي يرصد الأثر قبل أن يرصد الحدث ذاته .
وهكذا يكون أدب الغضب تقترن تصوراته بالمستقبل ونري فيه تغييرا ورجاء لمستقبل مثمر بالخير .
ونختار من قاموس الغضب يكون خاتمة للكلام للأديبة عائشة أبو النور :
" اغضبوا .. فلتمتلئوا بالغضب .. من قمة الرأس إلي أسفل القدم .. أتمني لكم من أعماق قلبي أن تناموا علي غضب .. وتستيقظوا وانتم غاضبون .. وتسيروا وتعملوا وتستريحوا وفي أعماقكم يتكاثف ويتراكم بركان الغضب ، أدعوكم بكل الصدق أن تطلقوا اللهيب صراخكم داخلكم لا تتركوه ينفث دخانه علي السطح ... أتمني لكم أن تذرفوا الدمع في اتجاه الأعماق ليسقط في جوف المغارة الصخرية موحشة التضاريس دمعة غضب وراء دمعة غضب .. لتتحول أجسامكم إلي قطع إسفنجية بحرية مشبعة عروقها وخلاياها بعصير مركز من الغضب ، لتغضبوا حتى يتكون كل منكم إلي قنبلة تفجر الرفض الرفض الرفض "
ــــــــــــــــــــــ
تم الإستعانة بتلك المصادر لدي كتابة هذا المقال :

لاءات – مجموعة قصصية - أسامة قرمان – دار العلوم للنشر والتوزيع .
• رواية " لا " - مصطفي أمين ، الطبعة الثانية 1405هـ ، 1985م ، العصر الحديث للنشر والتوزيع .
• أمل دنقل ( أمير شعراء الرفض ) – نسيم مجلي – المكتبة الثقافية – الهيئة المصرية العامة للكتاب .
• المقاومة في الأدب العربي – المكتبة الثقافية – الهيئة المصرية العامة للكتاب .
• ثقافة المقاومة - د . مجدي محمد توفيق – الهيئة العامة لقصور الثقافة .
• كلمة الأديب الرافعي حول حرف لا عقدة حبل المشنقة – نفلتها عن أ. د . عبد المعطي الدالاتي .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق