السبت، 24 سبتمبر 2022

 

عناقيد المروي عليهم حلوة المذاق


خالد جودة أحمد




استهلم الروائى/ محمد جبريل التراث الشعبى والتاريخى فى عدد كبير من رواياته، وهى سمة اتفق حولها دراسى وباحثى أدبه، ونموذجًا: رواية "زهرة الصباح" حيث جعل الروائي من قصص "ألف ليلة وليلة" إطارًا روائيًا، ومرجعًا لغويًا للرواية، مع تحديث الإطار الزمنى، والفضاء المكانى لألف ليلة وليلة الأصلية، حيث جرت الأحداث الروائية فى زمن القاهرة المملوكية، وفى قلعة الجبل مقر حكمها.

          واستحدث الروائى فكرة "ما بعد الليالى"، حيث هناك الامتداد بعد الليلة الألف بتسعين  ليلة أخرى بعد الألف ليلة المعروفة، وانتقى منها جميعا أكثر من مائة ليلة تمثل كتلا سردية تفسر على مستوى خيالى ما يتعلق بهذه الليالى من أحداث وتعليقات على الحكايات، وتفاعلات إنسانية واجتماعية خلاقة، من خلال "زهرة الصباح" الابنه الوحيدة لعبد الغنى المتبولى كاتب سر الملك شهريار، وهو منصبا قريبا من الوزارة، وتصف الرواية أن المتبولى كان بيده الحل والعقد والأمر والنهى، وهو المتصرف المطلق –باسم الملك- فى كل أمر. أما "زهرة الصباح" فهى الفتاة التى خطبها الملك من أبيها، والتى تنتظر دورها بعد "شهرزاد" ابنة الوزير "دندان". وكان الملك -كما هو معروف- يروى ظمأ الإنتقام فى صدره لخيانة زوجته له، فعصف ببنات الناس، حيث يسلم عروسه الجديدة لسيف مسرور السياف كل صباح. لكن نجحت "شهر زاد" برواية الحكايات أن تؤجل نية الملك المعروفة في قتلها، حيث اصطحبت معها أختها "دنيازاد" ونبهتها: "أدعوك لمجالستنا"، فتقولين: "يا أختى حدثينا حديثًا غريبًا نقطع به السهر واتركى الباقى لى"، فكان الشروع فى الحكى من ذروة الأزمة، ثم تتابعت الأحداث الروائية تتدفق إلى الأمام فى خط زمنى مطرد، بعد سرد مجموعة فى البداية من القصص الخلفية للشخصيات الرئيسة. يحكى "التبولى" لزوجته "رقية" أم الزهرة ولزهرته أيضا: "قال لها أبوها فى وقفته على باب الحجرة: لا تخافى يا زهرة .. فلن تزفى إلى الملك واستطرد فيما يشبه الهمس: هذه الليلة على الأقل. قال للدهشة فى عينيها: فاجأت شهر زاد الجميع رواية حكاية، أجلت بقيتها إلى اليوم التالى، إنها حكاية تاجر مع عفريت .. أتى الصباح قبل أن تتمها"، فكانت الحكايات فى الرواية "طوق النجاة" وحيلة "شهرزاد" لإطالة عمرها. ومن هذه اللحظة المأزومة عاشت أسرة "المتبولى" فى ظلال الخوف منذ أن قال الملك للمتبولى: "خطبت ابنتك زهرة الصباح لنفسى". وينطلق الهمس الداخلى الصاخب: "هل أنجب وأربى وأحب واختزن التفصيلات الكثيرة والذكريات ليحصد الملك ذلك كله بضربة سيف". وعن طريق صلة "المتبولى" الطيبة بقهرمانة القصر "نجوى" والتى يثق بها شهريار فهى من أقرب مستشاريه إليه، وحيث يتركها خلف الستائر تستمتع لحديث "شهرزاد"، والذى تختمه كل ليلة بقولها: "وأين هذا مما سأحدثكم به الليلة المقبلة  إن عشت وأبقانى الملك"، ثم تنقله "نجوى" للمتبولى الذي يعيد روايته لزهرة ورقية، ويتأجل خوفهم لليلة أخرى. وتمضى الرواية فى خطها الروائى المشوق بتفصيلات كثيرة، وخصبت ذاتها بلمحات من ألف ليلة وليلة وسير شعبية، عبر لغة قريبة من لغة الحكى فى الليالى، وتستمد مفرداتها وسياقها الثقافى.

          والرواية تحقق ما وراء نص الليالى على مستوى خيالى، بمعنى أنها تقدم كواليس هذه الليالى وتفسيرها الاجتماعى والسياسى، وهى تحقق ما أشار إليه نقاد من أن المبدعين الذين استلهموا ألف ليلة وليلة فى ابداعهم قصدوا إلى القيمة الرمزية لليالى بما فيها من أبعاد أسطورية واضحة، وجعلوها مرآة لتناول المجتمع المعاصر. وارى أن الروائى محمد جبريل يكتب روايته وعينه على الواقع رغم المرجعية التراثية الحميمة.

          والثيمة الموضوعية الرئيسة فى الرواية فى تأويلى تدور حول التطهير بالفن والطب بالحكاية، حيث حدث الإبدال في شخصية الملك "شهريار" من ظلم الناس إلى البر بهم ورعاية شأنهم، حيث انطلقت  الرواية من عقدتها حول "شهريار": "الملك هو كل شيء .. الوزراء والأمراء وعامة الناس بين يديه، دمى لا حول لها ولا قوة. يتهددهم الموت لأسباب تافهة، أو بلا سبب. يزهق أرواحهم متى شاء، ويخلى أرواحهم فى الوقت الذى يحدده". وكانت الأزمة شاملة: "ضج الخوف فى نفوس الناس .. قل دخل البلاد، وخلت الخزائن من الأموال، عاش الجميع حالة دائمة من الخوف، والتوتر، وتوقع المجهول، دون أن يعرف الناس متى ولا كيف". ثم مضت الأحداث فى طريق الفعل الفنى الخلاق: "من كان يتصور أن الحدوتة وحدها هى التى أفلحت فى وقف مسلسل الإعدام؟!". حيث أن الحكايات بتعبير الرواية: "أذهبت ما بنفسه من مشاعر غاضبة وشفت صدره"، فمع التصاعد الدرامى كان الإبدال للثوابت السلوكية والقيم الفكرية لشخصية الملك الذى جرى مداواة وجدانه بالحكايات. تقول الرواية: "غابت اليد الباطشة، والنفس التى تغضب لأقل سبب. حل تباسط وحسن إنصات، وتفهم للظروف، ومؤانسة .. نادى في الناس بالأمان والإطمئنان، فلا يشوش على أحد، ولا يؤذى أحد فى عرضه أو ماله أو حريته، ولا يواجه العقاب دون سبب، أبطل المكوس والرسوم والمظالم التى كان أحدثها من قبل". فقرب نهاية الليالى الألف أعلن توبته وتبصره بعاقبة أمره بعد تصاعد وتيرة احساس الناس بالغضب.

          كان الفن درب المقاومة الأثير في الرواية، وأيضا المقاومة بالحب، حيث قام "المتبولى" بتزويج ابنته "زهرة الصباح" في الخفاء من حبيبها الجار التاجر الشاب "سعد الداخلى"، بتحدى القهر بالتقدم إلى الأمام، وامتدت مظلة الخوف لتشمل الأسرة جميعها فلم يصبح الخطر فقط يهدد "زهرة الصباح" بل يهدد الجميع بهذه الخطوة الشجاعة.

          وشخصيات الرواية دائرة في إطار الرواة والمروى عليهم، الرواى الرئيس في الرواية "شهرزاد"، والمروى عليه "شهريار"، أيضا الرواى القهرمانة "نجوى" والمروى عليه "المتبولى"الذى يتحول بدوره راويًا لزوجته "رقيه" وابنته "زهرة الصباح" التى تصبح بدورها راويًا لزوجها "سعد الداخلى"، فدائما شخصيات "المروى عليهم" تتحول لتكون رواة جدد، لذلك نجد ديمومة هذا التصعيد فتتسع حلقة الرواة فى شكل عنقودى لتصل إلى مستوى المجتمع جميعه، تقول الرواية: "تحولت القاهرة إلى سامر كبير أبطاله الرواة والقصاص والهلالى والزناتى وسيف بن ذى يزن وبيبرس والسفيرة عزيزة وعنترة وحمزة البهلوان والخضر". والناس أنفسهم كما تقول الرواية: "ينقلوا الحكايات إلى أنديتهم ومجالسهم يزيدون فيها بالتهويل والإختلاق والإغراق يضمونها ما يشغلهم التعبير عنه، أو التنفيس عما بداخل نفوسهم ازاءه"، والمتلقين هنا –المروى عليهم-  يؤثرون فى الرواى الذي يقوم بإبدال الخكايات والزيادة والتحوير فيها طبقا لتلقيهم  الفاعل، فكأنهم يؤلفون الحكايات مع الرواه، فهو رواة ضمنين للحكايات.

          وإذا كانت "شهرزاد" استطاعت أن تستل الغضب والحقد الأعمى داخل وجدان "شهريار" بوسيلة الحكاية، وأن تعيده مرة أخرى لطريق العدل والإنصاف، وهذا التأثير الفذ للحكايات تحقق على أكثر من مستوى بالرواية، على مستوى فردى مثال التأثير فى نفس "زهرة الصباح"، فتبدل حالها ووجدت ترياقًا لخوفها المهلك، تقول الرواية: "لم تعد أيامها مقصورة على الطعام والثياب والتطريز والوشى والنوم والملل، أو حتى الجلوس بمفردها –لساعات- تستغرق فى التأمل والخوف والأحلام. نقلتها الحكايات إلى دنيا جديدة، لا عهد لها بها. غادرت البيت إلى قصور وبيوت وشوارع وأزقة. روى لها عن خلفاء وملوك وسلاطين وأمراء ووزراء وجند وتجار وفتوات وقطاع طرق ومطاريد وعلماء دين ومتصوفة وحملة مصاحف وأقلام وخناجر وسياط وسيوف .. طاف بها الميادين والشوارع والأسواق والأزقة. وتوالت المشاهد فى الموصل وسامراء وخراسان والأهواز وبغداد والقاهرة والمغرب. نزلت أعماق البحار، وطارت إلى السموات، وجزر الواق الواق، وجزر بحر الروم، ..."

          أما السمو بالحكايات على مستوى جمعى فتحقق بعزف عناقيد "المروى عليهم / الرواة"، ومن خلال هذا المعبر تحقق القاسم الكبير فى مشروع الروائى الكبير حول تمحيص الشخصية المصرية والوقوف عند مخزونها فى المقاومة، فالبطولة المطلقة فى الرواية فى تأويلى هى للشعب المصرى، الذى يهتف للنصر لأبطاله الشعبيين ومواطن الظفر والعزة فى حكايات الحكائين فى الخفاء بعد أن حرمها "شهريار" على العامة، ففروا يجتمعون إلى القصاص يحكون الحكايات فى القرافات، وقد وضعوا الحراس منهم خارجها خوفًا من بطش المستبد عدو الحكايات. وكأن هذه الحكايات تراثه الذى يتمثله الشعب فى وجدانه وهو يحيا مشروع المقاومة بالإختزان والإعتراض على وحشية "شهريار" وقتله للفتيات والعصف بمقدرات الناس، فتمثلت البطولة في محمد النجار تاجر الأخشاب بالفحامين، والبسانى معروف خضر، والشيخ بهاء زينهم، والشيخ طاهر العجمي، وعقيل العداس، وأيوب سيبان الخياط، وخلف الفلاحى بالخرنفش، ومعين الدين بيبرس الحداد في الشارع الأعظم وغيرهم. أنها استجلاء وبيان وإيضاح بطولة "الناس العاديين"، وتعبير "العاديين" ذكره الروائى نفسه فى حديثه حول تجربة استلهامه التراث فى إبداعه الروائى.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق