السبت، 24 سبتمبر 2022

عيون الناقد ويراعه

خالص تقديري للاقتصادي والروائي د. مدحت نافع 

وقد تفضل بكتابه مقاله (عيون الناقد ويراعه) بموقع مصر العربية

حول مقاربتي لروايته "شعيب" بمكتبات ألف




 
 

عيون الناقد ويراعه

د. مدحت نافع

 لم أشك يوماً في قدرة الناقد المطبوع على النظر إلى العمل الأدبي بعينين فاحصتين لا يملكهما مؤلف العمل نفسه.

 الدراسة النقدية التي أعدّها الناقد الكبير الأستاذ خالد جودة حول تجربتى الروائية الأولى تعلّمت منها أكثر من هذا، فالدراسة كشفت لى عن أطر ومصطلحات وتقنيات لم أكن أعلم أنى قد أودعتها رواية "شعيب". استولد الناقد الأديب سطور الرواية فأخرج صوراً جمالية، ومحسنات بديعية، وديناميات في الأزمنة والأحداث.

 النقد الأدبى في بلادنا يمر بمرحلة بأزمة حقيقية، إذ تحوّل النقد إلى "نقض" (على حد وصف الأستاذ "جودة" في دراسته)، بل وانطبع الهبوط والإسفاف في الأعمال الفنية والأدبية على قسمات وجه النقد فلم يسلم من القبح والرداءة إلا ما رحم ربى. في السطور القادمة سأترك القارئ الكريم مع فقرات مختارة من الدراسة النقدية الدسمة التي ناهزت الـ 3500 كلمة تحت عنوان "بورصة الأوراق المالية وبنيات السرد الروائي (رواية "شعيب" للأديب الاقتصادي د. مدحت نافع نموذجًا)"، أوردها على سبيل التقدير لصاحبها لا للعمل الأدبى ذاته:

 "عندما تخوض الرواية العربية مجالًا معرفيًا جديدًا، فإنها تعد إضافة نوعية لعالم السرد وقدرته علي تقديم هذه المجالات الجديدة، فإذا كانت جيدة في التقنيات السردية، فإنها تعد من الروايات النادرة التي تحدث عنها الناقد والروائي والفيلسوف المغربي (بن سالم حميش) بقوله: (لا يغرنك زخم المنتج، وما تقذف به المطابع في الأسواق، لأن الرواية الجيدة نادرة، الروايات الواعدة خلال سنة كاملة يمكن أن تعد علي رءوس الأصابع)، وتبعث رواية "شعيب" للأديب والاقتصادي د. مدحت نافع، إضاءات حول مجموعة من القضايا الأدبية والروائية والموضوعية الهامة، فنجد فكرة "التغذية الثقافية" بالرواية العربية المعاصرة، والكشف عن سرطان "الفساد" وتشعبه مع إطلالة سياسية، واللقاء الحضاري مع ثقافات أخرى، ومذاق الإيمان، وفكرة "التوبة" والتطهير في واقعية روائية تتماس مع قضية التعاطف مع الإنسان وذلك جميعه في ثوب من التفاصيل الموحية وبنيات السرد الجيدة القائمة علي الخطية الزمنية في أغلبها رغم استعمال آلة الزمن السردية في مفتتح الرواية، والمزج بين الوقفات الوصفية للاماكن ولتقديم السمات المادية والنفسية للشخصيات الروائية، والحوار وتقنية "المناجاة"، "التماثل السردي"، مع وجود راوي عليم "مراقب عام"، يحمل "كاميرا" يجول بها في الرحاب الروائي، خاصة في المكان، راصدًا "الحبكة" علي تعاقب شخصيات الرواية الرئيسة، والأمر علي تفصيل:

 بورصة الأوراق المالية ومؤشرها خاصة، يطرق أسماع الناس عبر وسائط الإعلام بوطننا العربي، فتثير لدي القطاع العريض من الجمهور غموضًا وتساؤلًا عن كنهها، وماذا تعني، وما فائدتها، مما دفع رجال عالم البورصة في مختلف مواقعهم إلي الترحيب والترويج لمفهوم "ثقافة البورصة"، وضرورة التعريف بها وبمهماتها، والدور الذي تمنحه للاقتصاد الوطني، خاصة وأن الحديث عن البورصة انتشر بشكل كبير خلال العقدين الأخيرين، نتيجة سياسات الخصخصة ودور البورصة فيها، والأكثر التغييرات السياسية والاجتماعية، لدرجة أن الكاتب "هشام عبد العزيز" في كتابه "موسوعة ثورة يناير" -الجزء الأول الذي لم يصدر له الجزء الثاني علي حد علمي- قدم مفردة البورصة ضمن أكثر المفردات الثقافية التي وجدت رواجًا لدي العالم العربي بنشوب ثورات الربيع العربي".

 ويقول أيضاً:

"لذلك تعددت مستويات القراءة في الرواية بين مستوى القارئ العام، الذي يتعرف على عالم البورصة باعتباره الإطار العام الحاكم للنسيج السردي، وخلفية الصراع الناشب في سبيل مكافحة الفساد، كما أن هذا العالم باعثًا على التشويق الروائي لجدته وغرابته على أمثال هذا القارئ، والمستوى الآخر للقارئ المتخصص في عالم البورصة، حيث تزيد متعة إحاطته بتلك العوالم. وتقدم الرواية مفاهيم تعريفية ببعض قضايا هذا العالم الجديد في الرواية، مثال: مخالفات سوق المال كتعاملات الداخليين "أعضاء مجلس الإدارة" بالتداول علي أسهم الشركة التي يديرونها في البورصة، مع وجود معلومات لهم ليست متاحة لسائر المتعاملين، خلال فترة الحظر القانونية (ص 30 الرواية)، ومخالفة عدم اتباع قواعد الحظر القانونية لبيع قدامى المساهمين والذين حصلوا علي الأسهم المباعة سابقًا بقيمة زهيدة، وهذا البيع يضر بصغار المساهمين علي تفصيل (ص 61 الرواية)، ونلاحظ –بطبيعة الحال المعرفي- استعمال الراوي الأقواس للشرح والتوضيح لهذه الجوانب الفنية، كما قدم إلماح عن المحكمة الاقتصادية ودورها في سوق المال (ص 34، ص 159)، ومهام الرقابة المالية في رقابة سلامة المعاملات ومن أدوات ذلك متابعة الأخبار والتقارير (فرع من اصل عمله اليومي الذي يرصد من خلاله الأخبار والشائعات المؤثرة علي أسعار الأوراق المالية في السوق) ، والحظر علي العاملين في السوق بالبيع أو الشراء (ص 69) وتحايل بعض ضعاف النفوس علي ذلك، وفكرة عن أنواع الوسطاء في سوق المال ومنهم "منفذي البلاط" (ص 70 و ص 159 الرواية)، وفكرة عن التكويد بالبورصة (ص 128 الرواية)، ومخالفة "تأجير الأكواد بثمن" (ص 155 الرواية)، ومخالفة توقيع أوامر البيع والشراء علي بياض "توظيف أموال مستتر" (ص 157 الرواية)، ونبذة عن نشأة البورصة المصرية (ص 160 الرواية)، وعالم السمسرة وصلته بالعملاء (ص 161 الرواية)، وشبكات المصالح والفساد الموازية ذات الحجم الصغير (ص 162 الرواية)".

 ويقول الناقد:

"واستعمل الروائي تقنية الاسترجاع أو ما أسميه آلة الزمن السردية، بمعني أن لحظة السرد الحاضرة يسبقها فجوة زمنية يبدأ الراوي في الارتداد إليها وإزاحة الأستار عن غوامضها، وهذا من بواعث التشويق وجذب القارئ لمتابعة القراءة، يقول: (اتصل حاضره بجلسة له على المحيط الأطلسي بمدينة "سان دييجو" بولاية كاليفورنيا الأمريكية التي زارها منذ نحو عامين، والتي انطلقت منها شرارة كل المصائب التي حدقت به وضيقت عليه حياته منذ ذلك الحين)، انها (قصة النتيجة) تبدأ من خاتمة قريبة في الأحداث، ثم يبدأ في الكشف عنها، ويتحرك الراوي علي خط الزمن ذهابًا وإيابًا، محققًا الزمن الحداثي في الرواية او الانزياح عن الزمن الخطي، ولتفسير ذلك نذكر أن النظام المعياري في الزمن أن يتقدم باطراد ويرتحل من اللحظة الحاضرة إلي اللحظة القادمة وهكذا، وفي الرواية نجد انزياحًا عن هذا النظام الخطي، فالراوي ينطلق من اللحظة السردية في رحلة ارتداد إلي الماضي (قبل نحو عامين) بتبويب في الرواية معنون (لقاء غريب)، ثم يعود مرة أخري في التبويب الثالث (تأملات في مكة)، إلي لحظته الحاضرة، ثم ينطلق في رحلة استرجاع طويلة تستغرق غالبية الرواية حتي التبويب رقم (28) المعنون (لبيك اللهم لبيك)، ثم ينطلق قطار السرد من اللحظة الحاضرة للأمام حتي ينسج خاتمة الرواية، والحقيقة أن رحلة الارتداد الثانية طالت لدرجة تباعدت من ذهن القارئ لحظة الانطلاقة الأولى او الثانية القريبة منها أيضًا، مما يجعلني أقول أنها رواية خطية الزمن في أغلبها واستعمال الراوي انزياح الزمن لبواعث التشويق، وتحقيقًا متفوقًا لمغزي الرواية بفكرة (التطهر من أدران الفساد)، باعتبارها حلًا من خارج الصندوق لمعضلة الفساد.

 واستعمل الروائي تقنية سردية جيدة تمثلت فيما يعرف بالتماثل السردي في بناء المشهد، فبينما هو في لقاء الغريب في مفتتح الرواية يري الزحام وهو يبتلع دراجة الرجل الذي التقاه عابرًا، (فإذا به يلمح معطفًا خفيفًا يولد من رحم الزحام ...) ، فالزحام ابتلع شخصية عابرة ماديًا، وهو ذاته الرحم التي تولد منها شخصية "علاء مهران" وهو شخصية رئيسة بالرواية، والتماثل يقوم علي تجسيم حركة مادية توازيها حركة أخرى سردية نفسية علي مستوي الأحداث، ففي رحاب حبكة الرواية القائمة علي التشويق نجد الأزمة في الرواية تنطلق في عبارات تمهد للتصعيد الروائي والاستباق "الإعلان" السردي، والاستباق يقوم بطرح الروائي عبارات تمثل إعلانًا للقادم الروائي، فيقول الروائي للقارئ انتظر معي سيحدث امرًا مفاجئًا، وهذا من بواعث التشويق في الرواية تأتي في شكل مسلسلات وفي خواتيم كل فصل روائي، مثال التماثل (النهار الذي بدأ لطيفًا هادئًا، أعقبه ليل موحش مضطرب) ، هذه حركة مادية اتت عقب محاولة "مهران" رشاء "شعيب" وهو في "أمريكا"، وغضب "شعيب" وهو يتجهز للعودة إلي وطنه، لكنه علي مستوي الحدث الروائي سيمر ليل موحش فعلًا في محنة تجذي "شعيب" في رحاها، واكد هذا الاستباق بنذر هذا الليل: (رن جرس المحمول وكان الاتصال هذه المرة من زوجته "مريم" التي قبل أن تقول أي شيء أجهشت بالبكاء!)".

 تمنيت لو شاركت القارئ الكريم الدراسة كاملة، لكن عزائى أنه سوف ينشرها في موقع متخصص.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق