
خواطر نقدية
الأدب بين الطرافة والواقع ولحظة الإبداع
خالد جوده
الأدب في حقيقته يمثل نقلا من الواقع المعاش إلي الواقع الفني، أو بمعني أدق رفع مستوي هذا الواقع وتشريحه فنيا، لكشفه ورصد عناصر متفرقة لا تبدو لها اهمية وهى منثورة ثم تجميعها وإيجاد رابط بينها يصيب المتلقى بالدهشة، باكتشاف تلك العلاقات الجديدة في الواقع، ليؤدي الأدب بذلك دوره في الحياة، المدرسة الطبيعية نقلت الواقع المعاش نقلا فوتوغرافيا، فتناولت أدبا يصف قاع المدن (ما أسماه الناقد د. علي الراعي قاع القاع)، ويسلط الضوء علي الفئات الشاذة والمنحرفة، ومن يقرأ روايات أميل زولا يجد هذا النقل المطابق تماما للواقع، بعكس مدارس أدبية ظهرت لاحقا تناقض هذا المعني النسخى، والذي نجده في كتابات الجيل الجديد من الألفينيه فما يتحدثوا عنه بجمالية القبح، فقدموا روايات غارقة في الأوصاف الغير لائقة، والمشاهد شديدة القتامة والقبح لدرجة الاشمئزاز ، خاصة عندما قدموا عن العشوائيات، صحيح أن الأدب يكشف الواقع ويشرحه فنيا لكن ليس علي حساب إصابة القارئ بالغيثان تحت دعوى (هذه عصارة عصركم/ لا تطلبوا منى اصطناع المعجزات)، لكن الأدب الكاشف بالكلمة الكريمة واللفت اللائق والمحفز والواخز في آن، لا يترك القارئ علي حمائل الدعة والإسترخاء بل يصيبه بالقلق كى ينتقل إلي موقف جديد، ومن عجب ان ذلك القلق يتم من خلال المتعة الفنية، وهذا الوخز الأدبي يتم إدراكه بوسائل جمالية.
عنصر آخر نشير نحوه وهو أصالة الأديب، أو بالتعبير الشائع بصمة الأديب، او شخصيته الأدبية، وذاته الفنية التي تمثلها أعماله، فالأديب يجب إلا يكرر نفسه وإلا أضاف كما لا كيفا، فيجب عليه دائما يأتي بجديد، حتى قيل أن الأدب طرافة، المهم ان تكون إضافته في أي جانب، موضوع جديد لم يتم طرقه من قبل، أو موضوع جديد يتم تناوله بطريقة مبتكرة، أو حتى الأداء عبر قالب أدبي جديد يرتكز في مناطق التماس الأدبية بين دوائر الأنواع الأدبية، أو حتى الاستخدام الجديد للتكثيف اللغوي ، وهكذ.
أما الدهشة في العمل الأدبي فتنشأ من طرائق التناول (في أي جانب للعمل الأدبي) الجديدة، الأهم أن يقتني النص الأدبي قيميه الفنية والموضوعية معا ، ولن تأتي الإجادة سوي بالتعبير عن الصدق الفني ، بالتالي لحظة الإبداع هي المؤسسة لعلوم النقد والتقييم والتقويم الأدبي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق