الأحد، 6 يونيو 2010

نقطة التفتيش



تورمت قدماه ، تصبب عرقه غزيرا ، تصاعدت الأتربة تكتم أنفاسه ، لاح على ناحية الطريق لافتة مكتوبة بخطوط سميكة : " منطقة محرمه ... ممنوع الاقتراب " ، تضاعف إحساسه بالإعياء حين قرأ العبارة ، لكنه على استكمال طريقه ، لاحت له الأسوار البعيدة ، من ورائها بدت القباب الذهبية المنيرة وهى تتلألأ تحت وهج الشمس بضياء رائع ، رغم الوهن مازال يملأ قلبه الحلم الكبير ، صاح عليه صوت جهير : إلى أين أنت ذاهب ؟ ، تلفت حواليه ليكتشف أنه محاصر بمجموعة من الحراس والتجهم الشرس يكسو ملامحهم الصلبة وهم يسددون إليه الحراب المسنونة ، تابع أحدهم مادا يده : هل معك تصريحا للدخول ؟ ، رنا ببصره من وراء الأسوار بدت الألوان مبهجة ، والأفراح براقة كالأنوار الطاهرة ، رغم آلامه أحس برفيف من خاطر البهجة يشمله ، رفرف قلبه الكسير في ثنايا الأريج المعطر المترسب من وراء المتاريس العالية ، فزع من أحلامه على صوت الحارس الهادر : أنت ... لاتقترب ، إن لم يكن معك تصريحا بالدخول فأنت محكوم عليك بالحرمان ، أصابته الكلمات بالارتباك ، مد يده إلى جيبه يبحث عن شئ يقدمه لهم ، بسط يده إليهم ببعض المعاني فى استعطاف وابتسامة حذرة كسيرة ، اقترب منه الحارس مضى قليلا مدققا فيما تحمله يداه ثم ما لبث أن انفجر في ضحكات هستيرية عاصفة ، أقبل إليه زملائه يتأملون معه تلك الأشياء ، استطاع صاحبهم أن يتمالك نفسه قليلا والدموع تتقافز من عينيه : انظروا إلي هذا المجنون انه يريد أن يسدد القيمة من محض الحب والود ، بدأ الجميع يصخب في الضحك وهم يصيحوا به بكلمات متقطعة بأنفاسهم المتهجدة : هراء ... المبادئ ... المثل العليا ... الإخلاص ، إنك تستحق القتل ، صاح به ثالث : ألا تعلم أنها ممنوعات محرمة ، انصرف ليس هذا مكانك أيها الأحمق وإلا قدمناك للمحاكمة بتهمة حيازة الخير ، مزقته السخرية أدمته أكثر مما فعلت الآم بدنه ، رنا ببصره إلى اللافتة الضخمة أعلى الأسوار والمزينة بنقوش قبيحة ، تأمل الحروف المتسخة : " معك قرش تساوى قرشا "، حس أن أحلامه وئدت بلا رجعة ، فاق ألمه النفسي كل الآمه مجتمعة ، انعصر قلبه بقسوة ، هربت الدماء من وجهه القانى حاول أن يجد لسانه كي يتحدث إليهم يبرر موقفه ، وما زال مادا يده ، أسكته صوت كبير الحراس متفلسفا : تريد أن تدخل هنا وتعبر هذه البوابة بهذه الحثالة ... قانون الحياة أيها الواهم يقول : من يملك المال هو من يملك الحق ، مزاياه تمحو عيوبه ، ليس من حقك الحلم ، حتى أن تقترب بخيالك السقيم من أفاق هذه الأسوار ، ثم أستأنف ضحكاته وهو يقلب باستهزاء ما بيده من معاني ، قذفها في وجهه بتشف غامر ، ثم حرك يده بصفعة هائلة استقرت على وجهه ، ودفعه بقسوة هائلة فانكفأ على وجهه فانغرست الأشواك الدامية في جسده وروحه ، اقبل آخرون يركلونه في فخذه وبطنه وظهره ، لم يرحموا تأوهاته الباكية ، ارتفعت ضحكاتهم أكثر وأكثر وهم يمارسون تلك الطقوس الوحشية ، دمعت عيونهم ، استلقوا على ظهورهم وهم يمسكون بطونهم ، انتهز الفرصة قام متحاملا على جراحه يحاول الهروب ، قام وأنكفأ أكثر من مره ، تحولت الحروف المتوهجة بداخله إلى سكاكين تمزقه ، نزفت الدماء منه بغزارة أغرقت ثيابه الممزقة ، انسكبت على الأرض تواسى المعاني المعفرة ، حاول أن يبكى لكن الدموع استعصت عليه ، أحلامه تصدأ كحديد الأسوار العنيفة ، طعنه رنين الضحكات الهازئة تشيعه ... الصوت الساخر المسموم يملأ مسامه ، ترنح يجر أقدامه النازفة ، ومن ورائه بدت قلعة الآمال كئيبة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق